تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2468

مساهمون:

ص٢٤٦٨
وعندئذ وقعت الاستجابة ، بعد أن استوفى القوم أجلهم ؛ ولم يعد فيهم خير يرجى بعد العناد والغفلة والتكذيب :
« قالَ : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ »
. . ولكن حيث لا ينفع الندم ، ولا يجدي المتاب :
« فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ ، فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً »
. . والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأعشاب وأشياء مبعثرة ، لا خير فيها ، ولا قيمة لها ، ولا رابط بينها . . وهؤلاء لما تخلوا عن الخصائص التي كرمهم اللّه بها ، وغفلوا عن حكمة وجودهم في الحياة الدنيا ، وقطعوا ما بينهم وبين الملأ الأعلى . . لم يبق فيهم ما يستحق التكريم ؛ فإذا هم غثاء كغثاء السيل ، ملقى بلا احتفال ولا اهتمام وذلك من فرائد التعبير القرآني الدقيق . ويزيدهم على هذه المهانة ، الطرد من رحمة اللّه ، والبعد عن اهتمام الناس :
« فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
. . بعدا في الحياة وفي الذكرى . في عالم الواقع وفي عالم الضمير . . ويمضي السياق بعد ذلك في استعراض القرون :
« ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ . ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ . ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا . كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ . فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ، وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ . فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ »
. . هكذا في إجمال ، يلخص تاريخ الدعوة ، ويقرر سنة اللّه الجارية ، في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة ، وموسى وعيسى في أواخرها . . كل قرن يستوفي أجله ويمضي :
« ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ »
. وكلهم يكذبون :
« كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ »
. وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة اللّه :
« فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً »
. وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون :
« وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ »
تتناقلها القرون . ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب :
« فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ »
. ثم يجمل قصة موسى في الرسالة والتكذيب لتتمشى مع نسق العرض وهدفه المقصود :
« ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ، إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ . فَقالُوا : أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ؟ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ »
. ويبرز في هذا الاستعراض الاعتراض ذاته على بشرية الرسل :
« فَقالُوا : أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا »
. ويريد عليه تلك الملابسة الخاصة بوضع بني إسرائيل في مصر :
« وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ »
مسخرون خاضعون . وهي ادعى - في اعتبار فرعون وملئه - إلى الاستهانة بموسى وهارون ! فأما آيات اللّه التي معهما ، وسلطانه الذي بأيديهما ، فكل هذا لا إيقاع له في مثل تلك القلوب المطموسة ،