تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2465

مساهمون:

ص٢٤٦٥
وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية . فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون ! وهكذا تجمد الحياة ، وتقف حركتها ، وتتسمر خطاها ، عند جيل معين من
« آبائِنَا الْأَوَّلِينَ »
! ويا ليتهم يدركون أنهم جامدون متحجرون ، إنما هم يتهمون دعاة التحرر والانطلاق بالجنون . وهم يدعونهم إلى التدبر والتفكر ، والتخلية بين قلوبهم ودلائل الإيمان الناطقة في الوجود . فإذا هم يتلقون هذه الدعوة بالتبجح والاتهام :
« إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ »
. . أي إلى أن يأخذه الموت ، ويريحكم منه ، ومن دعوته ، ومن إلحاحه عليكم بالقول الجديد ! عندئذ لم يجد نوح - عليه السلام - منفذا إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة ؛ ولم يجد له موئلا من السخرية والأذى ، إلا أن يتوجه إلى ربه وحده ، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب ويطلب منه النصر بسبب هذا التكذيب :
« قالَ : رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ »
. . وعندما يتجمد الأحياء على هذا النحو ، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام ، في طريق الكمال المرسوم ، فتجدهم عقبة في الطريق . . عندئذ إما إن تتحطم هذه المتحجرات ؛ وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي . . والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح . ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية وفي أول الطريق ؛ فشاءت إرادة اللّه أن تطيح بهم من الطريق :
« فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، وَأَهْلَكَ - إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ - وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا . إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ »
. . وهكذا مضت سنة اللّه في تطهير الطريق من العقبات المتحجرة لتمضي الحياة في طريقها المرسوم . ولما كانت البشرية قد أسنت على عهد نوح ، وجمدت كالشجرة الناشئة تعوقها الآفة عن النمو فتيبس وتعجز وهي رقيقة العود . . كان العلاج هو الطوفان ، الذي يجتبّ كل شيء ، ويجرف كل شيء . ويغسل التربة ، لتعاد بذرة الحياة السليمة من جديد ، فتنشأ على نظافة ، فتمتد وتكبر حتى حين :
« فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا »
. . والفلك وسيلة للنجاة من الطوفان ، ولحفظ بذور الحياة السليمة كما يعاد بذرها من جديد . وقد شاء اللّه أن يصنع نوح الفلك بيده . لأنه لا بد للإنسان من الأخذ بالأسباب والوسائل ، وبذل آخر ما في طوقه ، ليستحق المدد من ربه . فالمدد لا يأتي للقاعدين المستريحين المسترخين ، الذين ينتظرون ولا يزيدون شيئا على الانتظار ! ونوح قدر اللّه له أن يكون أبا البشر الثاني ؛ فدفع به إلى الأخذ بالأسباب ؛ مع رعاية اللّه له ، وتعليمه صناعة الفلك ، ليتم أمر اللّه ، وتتحقق مشيئته عن هذا الطريق . وجعل اللّه له علامة للبدء بعملية التطهير الشاملة لوجه الأرض المئوف :
« فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ »
« 1 » ، وانبجس منه الماء ، فتلك هي العلامة ليسارع نوح ، فيحمل في السفينة بذور الحياة :
« فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ »
. . من أنواع الحيوان والطيور والنبات المعروفة لنوح في ذلك الزمان ، الميسرة كذلك لبني
هامش
( 1 ) التنور : الموقد أو الفرن .