وتتابع الرسل ، من لدن نوح - عليه السلام - فإذا نحن نشهد موكب الرسل ، أو أمة الرسل ، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة ، ذات المدلول الواحد ، والاتجاه الواحد ، حتى ليوحد ترجمتها في العربية - وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم - فإذا الكلمة التي قالها نوح - عليه السلام - هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين ، فتجيب البشرية جوابا واحدا ، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون !
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ، فَقالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . أَ فَلا تَتَّقُونَ ؟ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ، ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ . إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ، فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ »
. .
« يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. . كلمة الحق التي لا تتبدل ، يقوم عليها الوجود ، ويشهد بها كل ما في الوجود
« أَ فَلا تَتَّقُونَ ؟ »
وتخافون عاقبة الإنكار للحقيقة الأولى التي تقوم عليها الحقائق جميعا ؟
وتستشعرون ما في إنكارها من تجن على الحق الباهر ، وما يعقب التجني من استحقاق للعذاب الأليم ؟
ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة ؛ ولا يتدبرون شواهدها ، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم ، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات . . فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود ، ويشهد بها كل ما في الوجود ، ليتحدثوا عن شخص نوح :
« فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ »
! من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة ، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها ؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها ، وتعمي عليهم عنصرها ، وتقف حائلا بين قلوبهم وبينها ؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم ، يريد أن يتفضل عليهم ، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم ! وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون أنه يعمل لها ، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة . .
في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده ، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها ؛ ويرفضون تكريم اللّه لهذا الجنس ؛ ويستكثرون أن يرسل اللّه رسولا من البشر ، إن يكن لا بد مرسلا :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً »
. .
ذلك أنهم لا يجدون في أرواحهم تلك النفحة العلوية التي تصل البشر بالملإ الأعلى ؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه ، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر ، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء .
وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر :
« ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ »
. .
ومثل هذا يقع دائما عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب . فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا ، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها . إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن « سابقة » يستندون إليها ؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها !