وقد أولع المستشرقون والطاعنون في هذا الدين بذلك الحديث ، وأذاعوا به ، وأثاروا حوله عجاجة من القول . والأمر في هذا كله لا يثبت للمناقشة ، بل لا يصح أن يكون موضوعا للمناقشة .
وهناك من النص ذاته ما يستبعد معه أن يكون سبب نزول الآية شيئا كهذا ، وأن يكون مدلوله حادثا مفردا وقع للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فالنص يقرر أن هذه القاعدة عامة في الرسالات كلها مع الرسل كلهم :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ »
. . فلا بد أن يكون المقصود أمرا عاما يستند إلى صفة في الفطرة مشتركة بين الرسل جميعا ، بوصفهم من البشر ، مما لا يخالف العصمة المقررة للرسل .
وهذا ما نحاول بيانه بعون اللّه . واللّه أعلم بمراده ، إنما نحن نفسر كلامه بقدر إدراكنا البشري . .
إن الرسل عندما يكلفون حمل الرسالة إلى الناس ، يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على الدعوة ، وأن يدركوا الخير الذي جاءوهم به من عند اللّه فيتبعوه . . ولكن العقبات في طريق الدعوات كثيرة .
والرسل بشر محدودو الأجل . وهم يحسون هذا ويعلمونه . فيتمنون لو يجذبون الناس إلى دعوتهم بأسرع طريق . . يودون مثلا لو هادنوا الناس فيما يعز على الناس أن يتركوه من عادات وتقاليد وموروثات فيسكتوا عنها مؤقتا لعل الناس أن يفيئوا إلى الهدى ، فإذا دخلوا فيه أمكن صرفهم عن تلك الموروثات العزيزة ! ويودون مثلا لو جاروهم في شيء يسير من رغبات نفوسهم رجاء استدراجهم إلى العقيدة ، على أمل أن تتم فيما بعد تربيتهم الصحيحة التي تطرد هذه الرغبات المألوفة ! ويودون . ويودون . من مثل هذه الأماني والرغبات البشرية المتعلقة بنشر الدعوة وانتصارها . . ذلك على حين يريد اللّه أن تمضي الدعوة على أصولها الكاملة ، وفق موازينها الدقيقة ، ثم من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . فالكسب الحقيقي للدعوة في التقدير الإلهي الكامل غير المشوب بضعف البشر وتقديرهم . . هو أن تمضي على تلك الأصول وفق تلك الموازين ، ولو خسرت الأشخاص في أول الطريق . فالاستقامة الدقيقة الصارمة على أصول الدعوة ومقاييسها كفيل أن يثني هؤلاء الأشخاص أو من هم خير منهم إلى الدعوة في نهاية المطاف ، وتبقى مثل الدعوة سليمة لا تخدش ، مستقيمة لا عوج فيها ولا انحناء . .
ويجد الشيطان في تلك الرغبات البشرية ، وفي بعض ما يترجم عنها من تصرفات أو كلمات ، فرصة للكيد للدعوة ، وتحويلها عن قواعدها ، وإلقاء الشبهات حولها في النفوس . . ولكن اللّه يحول دون كيد الشيطان ، ويبين الحكم الفاصل فيما وقع من تصرفات أو كلمات ، ويكلف الرسل أن يكشفوا للناس عن الحكم الفاصل ، وعما يكون قد وقع منهم من خطأ في اجتهادهم للدعوة . كما حدث في بعض تصرفات الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفي بعض اتجاهاته ، مما بين اللّه فيه بيانا في القرآن . .
بذلك يبطل اللّه كيد الشيطان ، ويحكم اللّه آياته ، فلا تبقى هنالك شبهة في الوجه الصواب :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. . فأما الذين في قلوبهم مرض من نفاق أو انحراف ، والقاسية قلوبهم من الكفار المعاندين ؛ فيجدون في مثل هذه الأحوال مادة للجدل واللجاج والشقاق :
« وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ »
.
وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان اللّه وحكمه الفاصل :
« وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
. .
وفي حياة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة من هذا ، تغنينا عن تأويل الكلام ، الذي أشار إليه الإمام ابن جرير رحمه اللّه .