تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2430

مساهمون:

ص٢٤٣٠
وسقطت فوقها البنيان ، وكان منظرها هكذا موحشا كئيبا مؤثرا . داعيا إلى التأمل في صورتها الخالية وصورتها البادية . والربوع الخربة أوحش شيء للنفس وأشدها استجاشة للذكرى والعبرة والخشوع . وإلى جوار القرى الخاوية على عروشها . . الآبار المعطلة المهجورة تذكر بالورد والورّاد ؛ وتتزاحم حولها الأخيلة وهي مهجورة خواء . ثم إلى جوارها القصور المشيدة وهي خالية من السكان موحشة من الأحياء ، تطوف بها الرؤى والأشباح ، والذكريات والأطياف ! يعرض السياق هذه المشاهد ثم يسأل في استنكار عن آثارها في نفوس المشركين الكفار :
« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ؟ أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ؟ فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
! إن مصارع الغابرين حيالهم شاخصة موحية ، تتحدث بالعبر ، وتنطق بالعظات . .
« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ »
فيروها فتوحي لهم بالعبرة ؟ وتنطق لهم بلسانها البليغ ؟ وتحدثهم بما تنطوي عليه من عبر ؟
« فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها »
فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل .
« أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها »
فتسمع أحاديث الأحياء عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة ؟ . أفلم تكن لهم قلوب ؟ فإنهم يرون ولا يدركون ، ويسمعون ولا يعتبرون
« فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
! ويمعن في تحديد مواضع القلوب :
« الَّتِي فِي الصُّدُورِ »
زيادة في التوكيد ، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد ! ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى ، وجاشت بالعبرة ، وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين ، وهي حولهم كثير . ولكنهم بدلا من التأمل في تلك المصارع ، والجنوح إلى الإيمان ، والتقوى من العذاب . . راحوا يستعجلون بالعذاب الذي أخره اللّه عنهم إلى أجل معلوم :
« وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ . وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ . وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ »
. . وذلك دأب الظالمين في كل حين . يرون مصارع الظالمين ، ويقرءون أخبارهم ويعلمون مصائرهم . ثم إذا هم يسلكون طريقهم غير ناظرين إلى نهاية الطريق ! فإذا ذكروا بما نال أسلافهم استبعدوا أن يصيبهم ما أصابهم . . ثم يطغى بهم الغرور والاستهتار إذا أملى لهم اللّه على سبيل الاختبار . فإذا هم يسخرون ممن يخوفهم ذلك المصير . وإذا هم - من السخرية - يستعجلون ما يوعدون !
« وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ »
فهو آت في موعده الذي أراده اللّه وقدره وفق حكمته . واستعجال الناس به لا يعجله كيلا تبطل الحكمة المقصودة من تأجيله . وتقدير الزمن في حساب اللّه غيره في حساب البشر :
« وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ »
. . ولقد أملى اللّه للكثير من تلك القرى الهالكة ؛ فلم يكن هذا الإملاء منجيا لها من المصير المحتوم والسنة المطردة في هلاك الظالمين :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ، ثُمَّ أَخَذْتُها ، وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ »
. .