تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2429

مساهمون:

ص٢٤٢٩
انتهى الدرس السابق عند الإذن بالقتال لحماية العقائد والشعائر ؛ ووعد اللّه بالنصر لمن ينهضون بتكاليف العقيدة ، ويحققون النهج الإلهي في حياة الجماعة . وإذ انتهى من بيان تكاليف الأمة المؤمنة أنشأ يطمئن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تدخل يد القدرة الإلهية لنصره ؛ ولخذلان أعدائه ، كما تدخلت من قبل لنصرة إخوانه الرسل - عليهم السلام - وأخذ المكذبين على مدار الأجيال . وأخذ يوجه المشركين إلى تأمل مصارع الغابرين إن كانت لهم قلوب للتأمل والتدبر ، فإنها لا تعمي الأبصار ، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . ثم يطمئن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى أن اللّه يحمي رسله من كيد الشيطان كما يحميهم من كيد المكذبين . ويبطل ما يحاوله الشيطان ويحكم آياته ويجلوها للقلوب السليمة . فأما القلوب المريضة والقلوب الكافرة فتظل الريبة فيها حتى تنتهي بها إلى شر مصير . . فالدرس كله بيان لآثار يد القدرة وهي تتدخل في سير الدعوة ، بعد أن يؤدي أصحابها واجبهم ، وينهضوا بتكاليفهم التي سبق بها الدرس الماضي في السياق .
« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ ، وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ ، وَقَوْمُ لُوطٍ ، وَأَصْحابُ مَدْيَنَ ، وَكُذِّبَ مُوسى ، فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
. . فهي سنة مطردة في الرسالات كلها ، قبل الرسالة الأخيرة ، أن يجيء الرسل بالآيات فيكذب بها المكذبون . فليس الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بدعا من الرسل حين يكذبه المشركون . والعاقبة معروفة ، والسنة مطردة
« فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ »
. . ويفرد موسى بفقرة خاصة :
« وَكُذِّبَ مُوسى »
أولا . لأنه لم يكذب من قومه كما كذب هؤلاء من قومهم ، إنما كذب من فرعون وملئه . وثانيا لوضوح الآيات التي جاء بها موسى وتعددها وضخامة الأحداث التي صاحبتها . . وفي جميع تلك الحالات أملى اللّه للكافرين حينا من الزمان - كما يملي لقريش - ثم أخذهم أخذا شديدا . . وهنا سؤال للتهويل والتعجيب :
« فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ؟ »
. . والنكير هو الإنكار العنيف المصحوب بالتغيير . والجواب معروف . فهو نكير مخيف ! نكير الطوفان والخسف والتدمير والهلاك والزلازل والعواصف والترويع . . وبعد الاستعراض السريع لمصارع أولئك الأقوام يعمم في عرض مصارع الغابرين :
« فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ ، فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ؛ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ »
. فهي كثيرة تلك القرى المهلكة بظلهما . والتعبير يعرض مصارعها في مشهد شاخص مؤثر :
« فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها »
. . والعروش السقوف ، وتكون قائمة على الجدران عند قيام البناء . فإذا تهدم خرت العروش
في ظلال القرآن — صفحة 2429 | سيد قطب