« فَأَتْبَعَ سَبَباً »
. ومضى في وجه مما هو ميسر له ، وسلك طريقه إلى الغرب .
« حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ، وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً . قُلْنا : يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً . قالَ : أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى ، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً »
.
ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس تغرب عنده وراء الأفق . وهو يختلف بالنسبة للمواضع . فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل . وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار . وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مد البصر . .
والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي - وكان يسمى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده - فرأى الشمس تغرب فيه .
والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار . حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ .
وتوجد البرك وكأنها عيون الماء . . فرأى الشمس تغرب هناك و
« وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ »
. . ولكن يتعذر علينا تحديد المكان ، لأن النص لا يحدده . وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده .
وكل قول غير هذا ليس مأمونا لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح .
عند هذه الحمئة وجد ذو القرنين قوما :
« قُلْنا : يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً »
.
كيف قال اللّه هذا القول لذي القرنين ؟ أكان ذلك وحيا إليه أم إنه حكاية حال . إذ سلطه اللّه على القوم ، وترك له التصرف في أمرهم فكأنما قيل له : دونك وإياهم . فإما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ؟ كلا القولين ممكن ، ولا مانع من فهم النص على هذا الوجه أو ذاك . والمهم أن ذا القرنين أعلن دستوره في معاملة البلاد المفتوحة ، التي دان له أهلها وسلطه اللّه عليها .
« قالَ : أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ، ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً . وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى ، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً »
.
أعلن أن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه ، وأنهم بعد ذلك يردون إلى ربهم فيعذبهم عذابا فظيعا
« نُكْراً »
لا نظير له فيما يعرفه البشر . أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن ، والمعاملة الطيبة ، والتكريم والمعونة والتيسير .
وهذا هو دستور الحكم الصالح . فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم .
والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء . . وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسنا ، ومكانا كريما وعونا وتيسيرا ؛ ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة . . عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج . أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة ؛ وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون . فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد . ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد .