كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما .
« حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ »
وأصبح الركام بمساواة القمتين
« قالَ : انْفُخُوا »
على النار لتسخين الحديد
« حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً »
كله لشدة توهجه واحمراره
« قالَ : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً »
أي نحاسا مذابا يتخلل الحديد ، ويختلط به فيزيده صلابة .
وقد استخدمت هذه الطريقة حديثا في تقوية الحديد ؛ فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته . وكان هذا الذي هدى اللّه إليه ذا القرنين ، وسجله في كتابه الخالد سبقا للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا اللّه .
بذلك التحم الحاجزان ، وأغلق الطريق على يأجوج ومأجوج
« فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ »
ويتسوروه
« وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً »
فينفذوا منه . وتعذر عليهم أن يهاجموا أولئك القوم الضعاف المتخلفين . فأمنوا واطمأنوا « 1 » .
ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به ، فلم يأخذه البطر والغرور ، ولم تسكره نشوة القوة والعلم . ولكنه ذكر اللّه فشكره . ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه . وتبرأ من قوته إلى قوة اللّه ، وفوض إليه الأمر ، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة ، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا .
« قالَ : هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ، فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ . وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا »
. .
وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين . النموذج الطيب للحاكم الصالح ، يمكنه اللّه في الأرض ، وييسر له الأسباب ؛ فيجتاح الأرض شرقا وغربا ؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر ، ولا يطغى ولا يتبطر ، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي ، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان ، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه . . إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به ، ويساعد المتخلفين ، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل ؛ ويستخدم القوة التي يسرها اللّه له في التعمير والإصلاح ، ودفع العدوان وإحقاق الحق . ثم يرجع كل خير يحققه اللّه على يديه إلى رحمة اللّه وفضل اللّه ، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة اللّه وجبروته ، وأنه راجع إلى اللّه .
وبعد فمن يأجوج ومأجوج ؟ وأين هم الآن ؟ وما ذا كان من أمرهم وما ذا سيكون ! كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق ، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن ، وفي بعض الأثر الصحيح .
والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين :
« فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا »
.
وهذا النص لا يحدد زمانا . ووعد اللّه بمعنى وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار ، وانساحوا في الأرض ، ودمروا الممالك تدميرا .
هامش
( 1 ) كشف سد بمقربة من مدينة « ترمذ » عرف بباب الحديد . وقد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني ( سيلد برجر ) وسجله في كتابه . وكذلك ذكره المؤرخ الاسباني ( كلافيجو ) في رحلته سنة 1403 وقال : إن سد مدينة باب الحديد على الطريق - سمرقند والهند . . وقد يكون هو السد الذي بناه ذو القرنين . .