وهكذا نجد محور السورة هو تصحيح العقيدة . وتصحيح منهج الفكر والنظر . وتصحيح القيم بميزان العقيدة .
ويسير سياق السورة حول هذه الموضوعات الرئيسية في أشواط متتابعة :
تبدأ السورة بالحمد للّه الذي أنزل على عباده الكتاب للإنذار والتبشير . تبشير المؤمنين وإنذار الذين قالوا :
اتخذ اللّه ولدا ؛ وتقرير أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والاختبار ، والنهاية إلى زوال وفناء . . ويتلو هذا قصة أصحاب الكهف . وهي نموذج لإيثار الإيمان على باطل الحياة وزخرفها ، والالتجاء إلى رحمة اللّه في الكهف ، هربا بالعقيدة أن تمس .
ويبدأ الشوط الثاني بتوجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، وأن يغفل الغافلين عن ذكر اللّه . . ثم تجيء قصة الجنتين تصور اعتزاز القلب المؤمن باللّه ، واستصغاره لقيم الأرض . . وينتهي هذا الشوط بتقرير القيم الحقيقية الباقية .
والشوط الثالث يتضمن عدة مشاهد متصلة من مشاهد القيامة تتوسطها إشارة قصة آدم وإبليس . . وينتهي ببيان سنة اللّه في إهلاك الظالمين ، ورحمة اللّه وإمهاله للمذنبين إلى أجل معلوم .
وتشغل قصة موسى مع العبد الصالح الشوط الرابع . وقصة ذي القرنين الشوط الخامس .
ثم تختم السورة بمثل ما بدأت : تبشيرا للمؤمنين وإنذارا للكافرين ، وإثباتا للوحي وتنزيها للّه عن الشريك .
فلنأخذ في الشوط الأول بالتفصيل :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً . قَيِّماً . لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ . كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ . إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً . فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً . . إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً »
. . .
بدء فيه استقامة ، وفيه صرامة . وفيه حمد للّه على إنزاله الكتاب
« عَلى عَبْدِهِ »
بهذه الاستقامة ، لا عوج فيه ولا التواء ، ولا مداراة ولا مداورة :
« لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ »
.
ومنذ الآية الأولى تتضح المعالم ، فلا لبس في العقيدة ولا غموض : اللّه هو الذي أنزل الكتاب ، والحمد له على تنزيله . ومحمد هو عبد للّه . فالكل إذن عبيد ، وليس للّه من ولد ولا شريك .
والكتاب لا عوج له . .
« قَيِّماً »
. . يتكرر معنى الاستقامة مرة عن طريق نفي العوج ، ومرة عن طريق إثبات الاستقامة . توكيدا لهذا المعنى وتشديدا فيه .
والغرض من إنزال الكتاب واضح صريح :
« لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ ، وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً »
.
ويغلب ظل الإنذار الصارم في التعبير كله . فهو يبدأ به على وجه الإجمال :
« لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ »
.
ثم يعود إليه على وجه التخصيص :
« وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً »
. . وبينهما تبشير للمؤمنين
« الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ »
بهذا القيد الذي يجعل للإيمان دليله العملي الظاهر المستند إلى الواقع الأكيد .