وأخيرا ، فإنه من خلال هذه الوقفات أمام القصص القرآني في هذه السورة تتبين لنا طبيعة منهج هذا الدين ، كما يتمثل في القرآن الكريم . . إنها طبيعة حركية تواجه الواقع البشري بهذا القرآن مواجهة واقعية عملية . .
لقد كان هذا القصص يتنزل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في مكة . والقلة المؤمنة معه محصورة بين شعابها ، والدعوة الإسلامية مجمدة فيها ، والطريق شاق طويل لا يكاد المسلمون يرون له نهاية ! فكان هذا القصص يكشف لهم عن نهاية الطريق ؛ ويريهم معالمه في مراحله جميعا ؛ ويأخذ بأيديهم وينقل خطاهم في هذا الطريق ؛ وقد بات لاحبا موصولا بموكب الدعوة الكريم على مدار التاريخ البشري ؛ وبات بهذا الركب الكريم مأنوسا مألوفا لا موحشا ولا مخوفا ! . . إنهم زمرة من موكب موصول في طريق معروف ؛ وليسوا مجموعة شاردة في تيه مقطوع ! وإنهم ليمضون من نقطة البدء إلى نقطة الختام وفق سنة جارية ؛ ولا يمضون هكذا جزافا يتبعون الصدفة العابرة ! هكذا كان القرآن يتحرك في الصف المسلم ؛ ويحرك هذا الصف حركة مرسومة مأمونة . .
وهكذا يمكن اليوم وغدا أن يتحرك القرآن في طلائع البعث الإسلامي ، ويحركها كذلك في طريق الدعوة المرسوم . .
إن هذه الطلائع في حاجة إلى هذا القرآن تستلهمه وتستوحيه . تستلهمه في منهج الحركة وخطواتها ومراحلها ؛ وتستوحيه في ما يصادف هذه الخطوات والمراحل من استجابات ؛ وما ينتظرها من عاقبة في نهاية الطريق .
والقرآن - بهذه الصورة - لا يعود مجرد كلام يتلى للبركة . ولكنه ينتفض حيا يتنزل اللحظة على الجماعة المسلمة المتحركة ، لتتحرك به ، وتتابع توجيهاته ، وتتوقع موعود اللّه فيه .
وهذا ما نعنيه بأن هذا القرآن لا يتفتح عن أسراره إلا للعصبة المسلمة التي تتحرك به ، لتحقيق مدلوله في عالم الواقع . لا لمن يقرءونه لمجرد التبرك ! ولا لمن يقرءونه لمجرد الدراسة الفنية أو العلمية ، ولا لمن يدرسونه لمجرد تتبع الأداء البياني فيه ! إن هؤلاء جميعا لن يدركوا من هذا القرآن شيئا يذكر . فإن هذا القرآن لم يتنزل ليكون مادة دراسة على هذا النحو ؛ إنما تنزل ليكون مادة حركة وتوجيه .
إن الذين يواجهون الجاهلية الطاغية بالإسلام الحنيف ؛ والذين يجاهدون البشرية الضالة لردها إلى الإسلام من جديد ؛ والذين يكافحون الطاغوت في الأرض ليخرجوا الناس من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده . .
إن هؤلاء وحدهم هم الذين يفقهون هذا القرآن ؛ لأنهم يعيشون في مثل الجو الذي نزل فيه : ويحاولون المحاولة التي كان يحاولها من تنزل عليهم أول مرة ؛ ويتذوقون في أثناء الحركة والجهاد ما تعنيه نصوصه لأنهم يجدون هذه المعاني ممثلة في أحداث ووقائع . . وهذا وحده جزاء على كل ما يصيبهم من عذابات وآلام .
أأقول : جزاء ؟ ! كلا . واللّه . إنه لفضل من اللّه كبير . .
« قُلْ : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ »
. .
والحمد للّه العظيم رب الفضل العظيم . .