على أساس العقيدة والمنهج والدينونة . فاصلوا الأمة المشركة التي كانت قبل الرسالة هي قومهم وهي أمتهم وهي أصلهم . . لقد افترق المنهجان ، فاختلفت الجنسيتان . وأصبحت الأمتان الناشئتان من القوم الواحد لا تلتقيان ولا تتعايشان ! وعندما فاصل المسلمون قومهم على العقيدة والمنهج والدينونة فصل اللّه بينهما ؛ فأهلك الأمة المشركة ، ونجى الأمة المسلمة . . واطردت هذه القاعدة على مدار التاريخ كما رأينا في السورة . .
والأمر الذي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان أن تكون على يقين منه : أن اللّه سبحانه لم يفصل بين المسلمين وأعدائهم من قومهم ، إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم ؛ وأعلنوا مفارقتهم لما هم عليه من الشرك ؛ وعالنوهم بأنهم يدينون للّه وحده ، ولا يدينون لأربابهم الزائفة ؛ ولا يتبعون الطواغيت المتسلطة ؛ ولا يشاركون في الحياة ولا في المجتمع الذي تحكمه هذه الطواغيت بشرائع لم يأذن بها اللّه . سواء تعلقت بالاعتقاد ، أو بالشعائر ، أو بالشرائع .
إن يد اللّه سبحانه لم تتدخل لتدمر على الظالمين ، إلا بعد أن فاصلهم المسلمون . . وما دام ، المسلمون لم يفاصلوا قومهم ، ولم يتبرءوا منهم ، ولم يعالنوهم بافتراق دينهم عن دينهم ، ومنهجهم عن منهجهم ، وطريقهم عن طريقهم ، لم تتدخل يد اللّه سبحانه للفصل بينهم وبينهم ، ولتحقيق وعد اللّه بنصر المؤمنين والتدمير على الظالمين . .
وهذه القاعدة المطردة هي التي ينبغي لطلائع البعث الإسلامي أن تدركها ؛ وأن ترتب حركتها على أساسها :
إن الخطوة الأولى تبدأ دعوة للناس بالدخول في الإسلام ؛ والدينونة للّه وحده بلا شريك ؛ ونبذ الدينونة لأحد من خلقه - في صورة من صور الدينونة - ثم ينقسم القوم الواحد قسمين ، ويقف المؤمنون الموحدون الذين يدينون للّه وحده صفا - أو أمة - ويقف المشركون الذين يدينون لأحد من خلق اللّه صفا آخر . . ثم يفاصل المؤمنون المشركين . . ثم يحق وعد اللّه بنصر المؤمنين والتدمير على المشركين . . كما وقع باطراد على مدار التاريخ البشري .
ولقد تطول فترة الدعوة قبل المفاصلة العملية . ولكن المفاصلة العقيدية الشعورية يجب أن تتم منذ اللحظة الأولى .
ولقد يبطئ الفصل بين الأمتين الناشئتين من القوم الواحد ؛ وتكثر التضحيات والعذابات والآلام على جيل من أجيال الدعاة أو أكثر . . ولكن وعد اللّه بالفصل يجب أن يكون في قلوب العصبة المؤمنة أصدق من الواقع الظاهر في جيل أو أجيال . فهو لا شك آت . ولن يخلف اللّه وعده الذي جرت به سنته على مدار التاريخ البشري .
ورؤية هذه السنة على هذا النحو من الحسم والوضوح ضرورية كذلك للحركة الإسلامية في مواجهة الجاهلية البشرية الشاملة . فهي سنة جارية غير مقيدة بزمان ولامكان . . وما دامت طلائع البعث الإسلامي تواجه البشرية اليوم في طور من أطوار الجاهلية المتكررة ؛ وتواجهها بذات العقيدة التي كان الرسل - عليهم صلوات اللّه وسلامه - يواجهونها بها كلما ارتدت وانتكست إلى مثل هذه الجاهلية . فإن للعصبة المسلمة أن تمضي في طريقها ، مستوضحة نقطة البدء ونقطة الختام ، وما بينهما من فترة الدعوة كذلك . مستيقنة أن سنة اللّه جارية مجراها ، وأن العاقبة للتقوى .
* * *
في ظلال القرآن — صفحة 1947
مساهمون: سيد قطب
ص١٩٤٧