تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1802

مساهمون:

ص١٨٠٢
القضية الكبرى التالية لشهادة أن لا إله إلا اللّه . بل إنها هي هي في حالة التطبيق الواقعي في الحياة . إن الاعتراف بأن اللّه هو الخالق الرازق يستتبعه حتما أن يكون اللّه هو الرب المعبود ؛ وأن يكون هو الذي يحكم في أمر الناس كله . . ومنه أمر هذه الأرزاق التي أعطاها اللّه للبشر ، وهي تشمل كل ما يرزقهم من السماء والأرض . . والجاهليون العرب كانوا يعترفون بوجود اللّه - سبحانه - وبأنه الخالق الرازق - كما يعترف اليوم ناس يسمون أنفسهم « المسلمين ! » . ثم كانوا مع هذا الاعتراف يزاولون التحريم والتحليل لأنفسهم فيما رزقهم اللّه - كما يزاول ذلك اليوم ناس يسمون أنفسهم « المسلمين ! » - وهذا القرآن يواجههم بهذا التناقض بين ما يعترفون به من وجود اللّه ومن أنه الخالق الرازق ؛ وما يزاولونه في حياتهم من ربوبية لغير اللّه تتمثل في التشريع الذي يزاوله نفر منهم ! وهو تناقض صارخ يدمغهم بالشرك ؛ كما يدمغ كل من يزاول هذا التناقض اليوم وغدا وإلى آخر الزمان . مهما اختلفت الأسماء واللافتات . فالإسلام حقيقة واقعة لا مجرد عنوان ! ولقد كان الجاهليون العرب يزعمون - كما يزعم اليوم ناس ممن يسمون أنفسهم « المسلمين » - أن هذا الذي يزاولونه من التحريم والتحليل إنما أذن لهم به اللّه . أو كانوا يقولون عنه : شريعة اللّه ! وقد ورد في سورة الأنعام ادعاؤهم أن هذا الذي يحرمونه وهذا الذي يحلونه شرعه اللّه . . وذلك في قوله تعالى :
« وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ . سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. . فهم كانوا يقولون : إن اللّه يشاء هذا ، ولا يشاء هذا . . افتراء على اللّه . . كما أن ناسا اليوم يدعون أنفسهم « مسلمين » يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون : شريعة اللّه ! واللّه يجبههم هنا بالافتراء ، ثم يسألهم ما ذا تظنون بربكم يوم القيامة وأنتم تفترون عليه :
« وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ »
. . وصيغة الغائب تشمل جنس الذين يفترون على اللّه الكذب وتنتظمهم جميعا . . فما ظنهم يا ترى ؟ ما الذي يتصورون أن يكون في شأنهم يوم القيامة ! ! وهو سؤال تذوب أمامه حتى الجبلات الصلدة الجاسية !
« إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ »
. . واللّه ذو فضل على الناس برزقه هذا المادي الذي أودعه هذا الكون من أجلهم ؛ وأودع فيهم القدرة على معرفة مصادره ؛ والنواميس التي تحكم هذه المصادر ، وأقدرهم كذلك على التنويع في أشكاله ، والتحليل والتركيب في مادته لتنويع هذه الأشكال . . وكله في الكون وفيهم من رزق اللّه . . واللّه ذو فضل على الناس بعد ذلك برزقه وفضله ورحمته التي أنزلها في منهجه هدى للناس وشفاء لما في الصدور ؛ ليهدي الناس إلى منهج الحياة السليم القويم ؛ الذي يزاولون به خير ما في إنسانيتهم من قوى وطاقات ؛ ومشاعر واتجاهات ؛ والذي ينسقون به بين خير الدنيا وخير الآخرة ؛ كما ينسقون به بين فطرتهم وفطرة الكون الذي يعيشون فيه ويتعاملون معه « 1 » . ولكن أكثر الناس لا يشكرون على هذا الرزق وذاك . . فإذا هم يحيدون عن منهج اللّه وشرعه ؛ وإذا
هامش
( 1 ) يراجع فصل « شريعة كونية » في كتاب : « معالم في الطريق » كما يراجع فصل : « منهج متفرد » من كتاب : « هذا الدين » .
في ظلال القرآن — صفحة 1802 | سيد قطب