تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1758

مساهمون:

ص١٧٥٨
السورة كلها - كما أسلفنا في تقديمها - لحمة واحدة ، يصعب تقسيمها إلى مقاطع : شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها في الجزء السابع - مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص - فهي تتدفق في هيئة موجات متوالية ؛ تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري ، وتخاطبه بإيقاعات منوعة . . من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن . إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها ألوهية اللّه سبحانه . . إلى عرض مشاهد القيامة . إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم . إلى عرض مصارع الغابرين . . إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه من الموضوعات والمؤثرات التي تحتويها السورة . وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة . فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعا واحدا يتدفق بهذه الموجات المتتابعة . ثم تجيء قصة نوح - ومن بعده في اختصار - وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس ؛ فتؤلف مقطعا آخر . ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير . ونظرا لطبيعة السورة هذه فسنحاول عرضها موجة موجة - أو مجموعة من الموجات المتناسقة - كما هي طبيعتها المتميزة . . أما هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة . « ألف . لام . را » كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك . يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره :
« تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ »
. . ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب . من الوحي إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لينذر الناس ويبشر المؤمنين ، والرد على المعترضين أن يوحي اللّه إلى بشر . . إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما . . إلى جعل الشمس ضياء والقمر نورا ، وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب . . إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير . . ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها ، الذين لا يرتقبون لقاء اللّه مدبر كل شيء ، وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير ؛ وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم . ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود ، وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال . ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير . وضراعتهم إلى اللّه عند مس الأذى ، ونسيانهم له عند كشف الضر . ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه ، دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته ، ولقيت مصارعها في ذلك الطريق ! ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه . غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند اللّه ، وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل . وهم يعبدون من دون اللّه ما لا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء ، ويتركون عبادة اللّه وحده وهي تستند إلى وحي من اللّه . ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية اللّه الواضحة في القرآن ، غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون . ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر . وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة ، في مشهد من المشاهد