تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1759

مساهمون:

ص١٧٥٩
النابضة المتحركة المؤثرة . في ركوب البحر عندما تسير الفلك في أول الأمر رخاء ، ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان . ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا ، وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة ، وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب . . ذلك واللّه يدعو إلى دار السلام . دار الأمن والاطمئنان . الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة . .
« كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. . ويدركون حكمة اللّه في الخلق والتدبير .
« الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ »
. . من هذه الحروف وأمثالها ، تتألف آيات الكتاب الحكيم ، الذي ينكرون أن يكون اللّه قد أوحى به إلى الرسول . وهذه الحروف في متناول أيديهم ، ثم لا يبلغون أن يؤلفوا منها آية واحدة من مثل آيات الكتاب - كما يتحداهم في هذه السورة - ولا يقودهم هذا إلى التدبر ، وإدراك أن الوحي هو مفرق الطريق بينهم وبين الرسول ، وأنه لولا هذا الوحي لوقف وقفتهم عاجزا عن تأليف آية واحدة ، من هذه الحروف المبذولة للجميع .
« تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ »
. . الحكيم الذي يخاطب البشر بما يناسب طبائع البشر ، ويعرض في هذه السورة جوانب منها صادقة باقية ، نجد مصداقها في كل جيل . والحكيم الذي ينبه الغافلين إلى تدبر آيات اللّه في صفحة الكون وتضاعيفه . في السماء والأرض . وفي الشمس والقمر . وفي الليل والنهار . . وفي مصارع القرون الأولى . وفي قصص الرسل فيهم . . وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود . .
« أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟ قالَ الْكافِرُونَ . إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ »
: سؤال استنكاري . يستنكر هذا العجب الذي تلقى به الناس حقيقة الوحي منذ كانت الرسل . لقد كان السؤال الدائم الذي قوبل به كل رسول : أبعث اللّه بشرا رسولا ؟ ومبعث هذا السؤال هو عدم إدراك قيمة « الإنسان » . عدم إدراك الناس أنفسهم لقيمة « الإنسان » الذي يتمثل فيهم . فهم يستكثرون على بشر أن يكون رسول اللّه ، وأن يتصل اللّه به - عن طريق الوحي - فيكلفه هداية الناس . إنهم ينتظرون أن يرسل اللّه ملكا أو خلقا آخر أعلى رتبة من الإنسان عند اللّه . غير ناظرين إلى تكريم اللّه لهذا المخلوق ؛ ومن تكريمه أن يكون أهلا لحمل رسالته ؛ وأن يختار من بين أفراده من يتصل باللّه هذا الاتصال الخاص . هذه كانت شبهة الكفار المكذبين على عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وشبهة أمثالهم في القرون الأولى . فأما في هذا العصر الحديث فيقيم بعض الناس من أنفسهم لأنفسهم شبهة أخرى لا تقل تهافتا عن تلك ! إنهم يسألون : كيف يتم الاتصال بين بشر ذي طبيعة مادية وبين اللّه المخالف لطبيعة كل شيء مما خلق . والذي ليس كمثله شيء ؟
في ظلال القرآن — صفحة 1759 | سيد قطب