كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. .
« قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ! ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ؟ أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ؟ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ ! »
.
وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة ، وتكذيبهم بلقاء اللّه ، بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة ، ومن الخسارة في الصفقة الدون التي يرضونها ، وتعريفهم بأن هذه الحياة الدنيا إنما هي للابتلاء ، وفي الآخرة الجزاء . . ثم تواجههم بعرض مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة ؛ وخاصة ما يتصل منها بتخلي الشركاء عن عبادهم ، وتبرئهم منهم إلى اللّه ، وتعذر الفداء من العذاب مهما كبر الفداء :
« إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ . أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ ، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . دَعْواهُمْ فِيها : سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ . وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ . وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
« وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ، وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ، كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ . ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ »
. .
« وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ، وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ، وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ، كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً . مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً ، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. .
« وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ ! فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ ، وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ : ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ . فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ . هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ، وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. .
« وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ »
. .
« وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ، وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. .
ثم تواجه ما يترتب على اضطراب تصورهم للألوهية ؛ وما يترتب على تكذيبهم بالبعث والآخرة ، وما يترتب على تكذيبهم بالوحي والنذارة ، من انطلاقهم في واقع الحياة العملية يزاولون خصائص الربوبية في التشريع لحياتهم ، والتحليل والتحريم في أرزاقهم ومعاملاتهم وفق ما تصوره لهم وثنيتهم واعتقادهم بالشركاء الذين يجعلون لهم نصيبا مما رزقهم اللّه يأخذه السدنة والكهنة ليحلوا لهم ما يشاءون ويحرموا عليهم ما يشاءون . .
وهي القضية الكبرى التي تلي قضية الاعتقاد وتنبثق منها :
« قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ؟ قُلْ : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ؟ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ؟ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ ؟ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ »
.
والسورة تحتشد - في إبلاغ تلك الحقائق التي تحتويها وتثبيتها وتعميقها واستجاشة القلوب والعقول لها - بشتى المؤثرات الموحية ، التي يحفل بها الأداء القرآني الفريد في الموضوع وفي التعبير عنه سواء . وهي مؤثرات - على عمقها وحيويتها وحركتها - تناسب شخصية السورة وطبيعتها التي تحدثنا في الفقرة الأولى عنها . .
وهذه نماذج منها ، نلم بها هنا إجمالا ، حتى نستعرضها في السياق تفصيلا :
تحتشد السورة بمشاهد هذا الكون وظواهره ، الموحية للفطرة البشرية بحقيقة الألوهية ، الدالة على التدبير الحكيم ، والقصد المرسوم في بناء هذا الكون وتصريفه ، وفي الموافقات المبثوثة فيه لنشأة الحياة