يقومون على العقيدة ، ويؤدون ثمن العزة ، ويستعلون على أعداء اللّه :
« وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً »
. .
ولا يقام لكم وزن ، ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب !
« وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
لا يعجزه أن يذهب بكم ، ويستبدل قوما غيركم ، ويغفلكم من التقدير والحساب ! إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس ، إثبات للوجود الإنساني الكريم . فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة : وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم . فهو فناء في ميزان اللّه وفي حساب الروح المميزة للإنسان .
ويضرب اللّه لهم المثل من الواقع التاريخي الذي يعلمونه ، على نصرة اللّه لرسوله بلا عون منهم ولا ولاء ، والنصر من عند اللّه يؤتيه من يشاء :
« إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ . إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
. .
ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعا ، كما تضيق القوة الغاشمة دائما بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعا ، ولا تطيق عليها صبرا ، فأتمرت به ، وقررت أن تتخلص منه ؛ فأطلعه اللّه على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج ، فخرج وحيدا إلا من صاحبه الصدّيق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة . والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وصاحبه :
« إِذْ هُما فِي الْغارِ »
.
والقوم على إثرهما يتعقبون ، والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له : لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه .
والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه ، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له : « يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » .
ثم ما ذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد ؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس . وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار :
« وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى »
.
وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة :
« وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا »
. .
وقد قرئ « وكلمة اللّه » بالنصب . ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى . لأنها تعطي معنى التقرير .
فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلا ، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة . واللّه « عزيز » لا يذل أولياؤه « حكيم » يقدر النصر في حينه لمن يستحقه .