تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1657

مساهمون:

ص١٦٥٧
ذلك مثل على نصرة اللّه لرسوله ولكلمته ؛ واللّه قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطئون . وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول اللّه إلى دليل ! وفي ظلال هذا المثل الواقع المؤثر يدعوهم إلى النفرة العامة ، لا يعوقهم معوق . ولا يقعد بهم طارئ ، إن كانوا يريدون لأنفسهم الخير في هذه الأرض وفي الدار الآخرة :
« انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. . انفروا في كل حال ، وجاهدوا بالنفوس والأموال ، ولا تتلمسوا الحجج والمعاذير ، ولا تخضعوا للعوائق والتعلات .
« ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. وأدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير ، فنفروا والعوائق في طريقهم ، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار . ففتح اللّه عليهم القلوب والأرضين ، وأعز بهم كلمة اللّه ، وأعزهم بكلمة اللّه ، وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح . قرأ أبو طلحة - رضي اللّه عنه - سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : أرى ربنا استنفرنا شيوخا وشبانا ، جهزوني يا بني . فقال بنوه : يرحمك اللّه قد غزوت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم حتى مات ، ومع أبي بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك . فأبى فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها . وروى ابن جرير بإسناده - عن أبي راشد الحراني قال : « وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جالسا على تابوت من توابيت الصيارفة ، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو ؛ فقلت له قد أعذر اللّه إليك . فقال : أتت علينا سورة البعوث « 1 » .
« انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا »
. وروى كذلك بإسناده - عن حيان بن زيد الشرعبي قال : نفرنا مع صفوان بن عمرو ، وكان واليا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرا هما ، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار ، فأقبلت إليه فقلت : يا عم لقد أعذر اللّه إليك . قال : فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا اللّه ، خفافا وثقالا . ألا إنه من يحبه اللّه يبتليه ، ثم يعيده فيبقيه ، وإنما يبتلي اللّه من عباده من شكر وصبر وذكر ، ولم يعبد إلا اللّه عزّ وجل . وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات اللّه انطلق الإسلام في الأرض ، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده ، وتمت تلك الخارقة في تلك الفتوح التحريرية الفريدة .
هامش
( 1 ) وردت صفات كثيرة لسورة براءة فسميت « الفاضحة » لما فضحته من سرائر المنافقين . ومنها « المنفرة » و « المعبرة » و « المبعثرة » و « المثيرة » و « البعوث » بفتح الباء لتنفيرها وتعبيرها عما في القلوب وبعثرته وبعثها للمجاهدين . وكذلك المدمدمة والمخزية والمنكلة والمشردة .