تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1645

مساهمون:

ص١٦٤٥
ثم يخطو السياق الخطوة الأخيرة في هذا المقطع من السورة ، مصورا كيف أن أهل الكتاب لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ، بعد ما أشار إلى هذه الحقيقة في قوله :
« اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ »
التي فسرها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بأنهم « أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم » . . فبين أنهم إذن لا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ، إنما يحرمون ما حرمه عليهم الأحبار والرهبان ! يخطو السياق الخطوة الأخيرة في بيان هذه الحقيقة مخاطبا بها الذين آمنوا كاشفا لهم في هذا الخطاب عن حقيقة أهل الكتاب :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ . هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ، فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ »
. . وفي الآية الأولى استطراد في بيان دور الأحبار والرهبان الذين اتخذهم أهل الكتاب أربابا من دون اللّه ، فاتبعوهم فيما يشرعون لهم من المعاملات ومن العبادات سواء . فهؤلاء الأحبار والرهبان يجعلون من أنفسهم ويجعلهم قومهم أربابا تتبع وتطاع ؛ وهم فيما يشرعون يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه . وأكل أموال الناس كان يتمثل في صور شتى وما يزال : منها ما يأخذونه على فتاوى تحليل الحرام وتحريم الحلال لصالح من يملكون المال أو السلطان . ومنها ما يأخذه القسيس أو الكاهن مقابل الاعتراف له بالخطايا وغفرانه - بالسلطان المخول للكنيسة في زعمهم - لتلك الخطايا ! ومنها الربا - وهو أوسع أبوابها وأبشعها - وغيرها كثير . كذلك ما يجمعونه من أموال الناس لمحاربة دين الحق ؛ وقد كان الرهبان والأساقفة والكرادلة والبابوات يجمعون مئات الملايين في الحروب الصليبية ، وما يزالون يجمعونها للتبشير والاستشراق للصد عن سبيل اللّه . ولا بد أن نلحظ الدقة القرآنية والعدل الإلهي في قول اللّه تعالى في ذلك .
« إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ . . »
. للاحتراز من الحكم على القليل منها الذي لا يزاول هذه الخطيئة . ولا بد من أفراد في أية جماعة من الناس فيهم بقية خير . . ولا يظلم ربك أحدا . . والكثير من الأحبار والرهبان يكنزون هذه الأموال التي يأكلونها بالباطل . وقد شهد تاريخ هؤلاء الناس أموالا ضخمة تنتهي إلى أيدي رجال الدين وتؤول إلى الكنائس والأديرة . وقد جاء عليهم زمان كانوا أكثر ثراء من الملوك المتسلطين والأباطرة الطغاة ! والسياق القرآني يصور عذابهم في الآخرة بما كنزوا ، وعذاب كل من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل اللّه ، في مشهد من المشاهد التصويرية الرائعة المروعة :
« وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ، هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ »
. . إن رسم المشهد هكذا في تفصيل ؛ وعرض مشهد العملية منذ خطواتها الأولى إلى خطواتها الأخيرة ، ليطيل المشهد في الخيال والحس . . وهي إطالة مقصودة :