تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1643

مساهمون:

ص١٦٤٣
وسلم - أنهم لم يكونوا يؤمنون باللّه ، وأنهم أشركوا به ، وأنهم خالفوا عن أمره بألا يعبدوا إلا إلها واحدا ، وأنهم اتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه . إن المعنى الأول للدين هو الدينونة - أي الخضوع والاستسلام والاتباع - وهذا يتجلى في اتباع الشرائع كما يتجلى في تقديم الشعائر . والأمر جد لا يقبل هذا التميع في اعتبار من يتبعون شرائع غير اللّه - دون إنكار منهم يثبتون به عدم الرضا عن الافتئات على سلطان اللّه - مؤمنين باللّه ، مسلمين ، لمجرد أنهم يعتقدون بألوهية اللّه سبحانه ويقدمون له وحده الشعائر . . وهذا التميع هو أخطر ما يعانيه هذا الدين في هذه الحقبة من التاريخ ؛ وهو أفتك الأسلحة التي يحاربه بها أعداؤه ؛ الذين يحرصون على تثبيت لافتة « الإسلام » على أوضاع ، وعلى أشخاص ، يقرر اللّه سبحانه في أمثالهم أنهم مشركون لا يدينون دين الحق ، وأنهم يتخذون أربابا من دون اللّه . . وإذا كان أعداء هذا الدين يحرصون على تثبيت لافتة الإسلام على تلك الأوضاع وهؤلاء الأشخاص ؛ فواجب حماة هذا الدين أن ينزعوا هذه اللافتات الخادعة ؛ وأن يكشفوا ما تحتها من شرك وكفر واتخاذ أرباب من دون اللّه . .
« وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. . . ثم يمضي السياق خطوة أخرى في تحريض المؤمنين على القتال :
« يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ، وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »
. . إن أهل الكتاب هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق ، وعبادة أرباب من دون اللّه . وعدم الإيمان باللّه واليوم الآخر - وفق المفهوم الصحيح للإيمان باللّه واليوم الآخر - إنما هم كذلك يعلنون الحرب على دين الحق ؛ ويريدون إطفاء نور اللّه في الأرض المتمثل في هذا الدين ، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض ، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر . .
« يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ »
. . فهم محاربون لنور اللّه . سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن ؛ أو بما يحرضون به أتباعهم وأشياعهم على حرب هذا الدين وأهله ، والوقوف سدا في وجهه - كما كان هو الواقع الذي تواجهه هذه النصوص وكما هو الواقع على مدار التاريخ . وهذا التقرير - وإن كان يراد به استجاشة قلوب المسلمين إذ ذاك - هو كذلك يصور طبيعة الموقف الدائم لأهل الكتاب من نور اللّه المتمثل في دينه الحق الذي يهدي الناس بنور اللّه .
« وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ »
. . وهو الوعد الحق من اللّه ، الدال على سنته التي لا تتبدل ، في إتمام نوره بإظهار دينه ولو كره الكافرون . . وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا ؛ فيدفعهم هذا إلى المضي في الطريق على المشقة واللأواء في الطريق ؛ وعلى الكيد والحرب من الكافرين ( والمراد بهم هنا هم أهل الكتاب السابق ذكرهم ) . . كما أنه يتضمن في ثناياه الوعيد لهؤلاء الكافرين وأمثالهم على مدار الزمان ! ويزيد السياق هذا الوعيد وذلك الوعد توكيدا :