بما همّ به المشركون من إخراج الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من مكة قبل الهجرة . وتذكرهم بأن المشركين هم الذين بدءوهم بالاعتداء في المدينة . . ثم تثير فيهم الحياء والنخوة أن يكونوا إنما يخشون لقاء المشركين .
واللّه أولى أن يخشوه إن كانوا مؤمنين . . ثم تشجعهم على قتال المشركين لعل اللّه أن يعذبهم بأيديهم ، فيكونوا هم ستارا لقدرة اللّه في تعذيب أعدائه وأعدائهم ، وخزيانهم وقهرهم . وشفاء صدور المؤمنين الذين أوذوا في اللّه منهم . . ثم تواجه التعلات التي تحيك في صدور البعض من الأمل في دخول المشركين الباقين في الإسلام دون حرب ولا قتال . تواجه هذه التعلات بأن الرجاء الحقيقي في أن يفيء هؤلاء إلى الإسلام أولى أن يتعلق بانتصار المسلمين ، وهزيمة المشركين . فيومئذ قد يفيء بعضهم - ممن يقسم اللّه له التوبة - إلى الإسلام المنتصر الظاهر الظافر ! . . وفي النهاية تلفتهم الآيات إلى أن سنة اللّه هي ابتلاء الجماعات بمثل هذه التكاليف ليظهر حقيقة ما هم عليه . وأن السنة لا تتبدل ولا تحيد . .
« أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ، وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ، وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؟ أَ تَخْشَوْنَهُمْ ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. .
إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للإيمان ، ونقض للعهود . وأقرب ما كان من هذا نقضهم لعهدهم مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في الحديبية . ولقد قبل - صلى اللّه عليه وسلم - من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه قبولا للدنية ! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه .
ولكنهم هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد بعد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت . . كما أن المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من قبل في مكة ؛ وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة .
وكان هذا في بيت اللّه الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله ؛ حتى لكان الواحد يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء . أما محمد رسول اللّه ، الداعي إلى الهدى والإيمان وعبادة اللّه وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة ؛ وهموا بإخراجه ؛ ثم تآمروا على حياته ؛ وبيتوا قتله في بيت اللّه الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات ! . . كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة . فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ؛ ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق . ثم جمعوا لهم في حنين كذلك . . وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة ؛ وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول اللّه تعالى :
« وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا »
كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون اللّه تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا اللّه . .
وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث ، في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين ، يخاطبهم :
« أَ تَخْشَوْنَهُمْ ؟ »
. .
فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب ! ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال :
« فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
. .