تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1608

مساهمون:

ص١٦٠٨
موقف المشركين من كل رسول ومن كل رسالة من قبل إنما يمثل موقف الشرك من دين اللّه على الإطلاق ؛ فإن أبعاد المعركة تترامى ؛ ويتجلى الموقف على حقيقته ؛ كما تصوره تلك النصوص القرآنية الخالدة ، على مدار التاريخ البشري كله بلا استثناء ! ما ذا صنع المشركون مع نوح ، وهود ، وصالح ، وإبراهيم ، وشعيب ، وموسى ، وعيسى ، عليهم صلوات اللّه وسلامه والمؤمنين بهم في زمانهم ؟ ثم ما ذا صنع المشركون مع محمد - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين به كذلك ؟ . . إنهم لم يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة متى ظهروا عليهم وتمكنوا منهم . . وما ذا صنع المشركون بالمسلمين أيام الغزو الثاني للشرك على أيدي التتار ؟ ثم ما يصنع المشركون والملحدون اليوم بعد أربعة عشر قرنا بالمسلمين في كل مكان ؟ . . إنهم لا يرقبون فيهم إلّا ولا ذمة ، كما يقرر النص القرآني الصادق الخالد . . عندما ظهر الوثنيون التتار على المسلمين في بغداد وقعت المأساة الدامية التي سجلتها الروايات التاريخية والتي نكتفي فيها بمقتطفات سريعة من تاريخ « البداية والنهاية » لابن كثير فيما رواه من أحداث عام 656 ه : « 1 » « ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان . ودخل كثير من الناس في الآبار ، وأماكن الحشوش ، وقنى الوسخ ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون . وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ، ويغلقون عليهم الأبواب ، فتفتحها التتار ، إما بالكسر وإما بالنار ، ثم يدخلون عليهم ، فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة ، فيقتلونهم بالأسطحة ، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة - فإنا للّه وإنا إليه راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط . ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم « 2 » ، وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي ، وطائفة من التجار أخذوا أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم . وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ، ليس فيها إلا القليل من الناس ، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة . . « وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة . فقيل ثمانمائة ألف . وقيل : ألف ألف . وقيل : بلغت القتلى ألفي ألف نفس - فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم - وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم . وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما . . وكان قتل الخليفة المستعصم باللّه أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر ، وعفى قبره ، وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر . ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام . وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد ، وله خمس وعشرون سنة . ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة ، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم . . « وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي ، وكان عدو الوزير ،
هامش
( 1 ) « البداية والنهاية » للحافظ ابن كثير ، ج 13 . ( 2 ) ذلك أن اليهود والنصارى ( من أهل الذمة ! ) كانوا ممن كاتب التتار لغزو عاصمة الخلافة والقضاء على الإسلام والمسلمين فيها ؛ وممن دلّوا على عورات المدينة ، وشاركوا مشاركة فعلية في هذه الكارثة واستقبلوا التتار الوثنيين بالترحاب ، ليقضوا لهم على المسلمين الذين أعطوهم ذمتهم ووفروا لهم الأمن والحماية .