فهي باطلة أصلا ، ومنها عمارة بيت اللّه التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد اللّه .
« وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ »
. .
بما قدموا من الكفر الواضح الصريح .
إن العبادة تعبير عن العقيدة ؛ فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ؛ وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح ، وبالعمل الواقع الصريح ، وبالتجرد للّه في العمل والعبادة على السواء :
« إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ »
. .
والنص على خشية اللّه وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر ، لا يجيء نافلة . فلا بد من التجرد للّه ؛ ولا بد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك ؛ وخشية أحد غير اللّه لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله للّه . وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد اللّه ، ويستحقون أن يرجوا الهداية من اللّه :
« فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ »
. .
فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح ، ثم يكافئ اللّه على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح .
هذه هي القاعدة في استحقاق عمارة بيوت اللّه ؛ وفي تقويم العبادات والشعائر على السواء يبينها اللّه للمسلمين والمشركين ، فما يجوز أن يسوى الذين كانوا يعمرون الكعبة ويسقون الحجيج في الجاهلية ، وعقيدتهم ليست خالصة للّه ، ولا نصيب لهم من عمل أو جهاد ، لا يجوز أن يسوى هؤلاء - لمجرد عمارتهم للبيت وخدمتهم للحجيج - بالذين آمنوا إيمانا صحيحا وجاهدوا في سبيل اللّه وإعلاء كلمته :
« أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ »
. .
« لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ »
.
وميزان اللّه هو الميزان وتقديره هو التقدير .
« وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »
.
المشركين الذين لا يدينون دين الحق ، ولا يخلصون عقيدتهم من الشرك ، ولو كانوا يعمرون البيت ويسقون الحجيج .
وينتهي هذا المعنى بتقرير فضل المؤمنين المهاجرين المجاهدين ، وما ينتظرهم من رحمة ورضوان ، ومن نعيم مقيم وأجر عظيم :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ . يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ »
. .
وأفعل التفضيل هنا في قوله :
« أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ »
ليس على وجهه ، فهو لا يعني أن للآخرين درجة أقل ، إنما هو التفضيل المطلق . فالآخرون
« حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ »
فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجة ولا في نعيم .