إن المهزومين في هذا الزمان أمام الواقع البائس لذراري المسلمين - الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على أصل الجهاد في الإسلام ؛ يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهربا من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الإسلامي في الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد ، وردهم جميعا إلى عبادة اللّه وحده ؛ وتحطيم الطواغيت والأنظمة والقوى التي تقهرهم على عبادة غير اللّه ، والخضوع لسلطان غير سلطانه ، والتحاكم إلى شرع غير شرعه . .
ومن ثم نراهم يقولون مثلا : إن اللّه سبحانه يقول :
« وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ »
. .
ويقول :
« لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ »
. .
ويقول :
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ »
. . . ويقول عن أهل الكتاب :
« قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
. .
فالإسلام إذن لا يقاتل إلا الذين يقاتلون أهل دار الإسلام في داخل حدود هذه الدار أو الذين يهددونها من الخارج ! وأنه قد عقد صلح الحديبية مع المشركين . وأنه قد عقد معاهدة مع يهود المدينة ومشركيها ! ومعنى ذلك - في تصورهم المهزوم - أن لا علاقة للإسلام إذن بسائر البشر في أنحاء الأرض . ولا عليه أن يعبدوا ما يعبدون من دون اللّه . ولا عليه أن يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون اللّه في الأرض كلها ما دام هو آمنا داخل حدوده الإقليمية ! وهو سوء ظن بالإسلام وسوء ظن باللّه - سبحانه ! - تمليه الهزيمة أمام الواقع البائس النكد الذي يواجههم ، وأمام القوى العالمية المعادية التي لا طاقة لهم بها في اللحظة الحاضرة ! وهان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته ؛ ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذي جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلا ! ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم هم وهزيمتهم على دين اللّه القوي المتين ! إن هذه النصوص التي يلتجئون إليها نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا . وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الأمة المسلمة . وفي هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية لأن واقعها يقرر أنها في مثل تلك المرحلة التي واجهتها تلك النصوص بتلك الأحكام . ولكن هذا ليس معناه أن هذه هي غاية المنى ؛ وأن هذه هي نهاية خطوات هذا الدين . . إنما معناه أن على الأمة المسلمة أن تمضي قدما في تحسين ظروفها ؛ وفي إزالة العوائق من طريقها ، حتى تتمكن في النهاية من تطبيق الأحكام النهائية الواردة في السورة الأخيرة ، والتي كانت تواجه واقعا غير الواقع الذي واجهته النصوص المرحلية .
إن النصوص الأخيرة تقول في شأن المشركين :
« بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ . وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ، فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً ، فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .