تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1578

مساهمون:

ص١٥٧٨
إنه ابتداء يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص ، الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها ؛ والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعيا ؛ ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقي قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة . فالتوسع الأفقي قبل قيام هذه القاعدة خطر ما حق يهدر وجود أية حركة ، لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذه الناحية ، ولا تراعي طبيعة المنهج الحركي الرباني النبوي الذي سارت عليه الجماعة الأولى . على أن اللّه - سبحانه - هو الذي يتكفل بهذا لدعوته . فحيثما أراد لها حركة صحيحة ، عرّض طلائعها للمحنة الطويلة ؛ وأبطأ عليهم النصر ؛ وقللهم ؛ وبطأ الناس عنهم ؛ حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا ، وتهيئوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمينة . . ثم نقل خطاهم بعد ذلك بيده - سبحانه - واللّه غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . والآن نعرض - على وجه الإجمال - للموضوعات الرئيسية التي تضمنتها السورة ، وبخاصة الأحكام النهائية التي قررتها في علاقة المعسكر الإسلامي بسائر المعسكرات حوله . . فالأحكام التي وردت في هذه السورة - بوصفها آخر ما نزل من الأحكام - هي التي تمثل قمة الخط الحركي للمنهج الإسلامي . . ونحب هنا أن نعيد ما قلناه في الجزء التاسع - في تقديم سورة الأنفال - عن طبيعة هذا المنهج ؛ لنفهم على ضوئه هذه الأحكام النهائية الأخيرة ؛ ولو كان في إعادته شيء من التكرار في كتاب الظلال . ذلك أن قرب هذه الفقرات التي سنعيدها هنا ضروري لحيوية السياق : « لقد لخص الإمام ابن القيم سياق الجهاد في الإسلام في « زاد المعاد » في الفصل الذي عقده باسم : « فصل في ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي اللّه عزّ وجل : أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته . فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ . ثم أنزل عليه :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ »
فنبأه بقوله :
« اقْرَأْ »
وأرسله ب
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ »
. ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم أنذر قومه . ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ؛ ويؤمر بالكف والصبر والصفح . ثم أذن له في الهجرة ، وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله للّه . . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة . وأهل حرب . وأهل ذمة . . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ؛ فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد . وأمر أن يقاتل من نقض عهده . . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها : فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام . وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم . فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان . وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم . . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم . وقسما لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه ، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم . وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه ، أو كان لهم عهد مطلق ، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر ؛ فإذا انسلخت قاتلهم . . فقتل الناقض لعهده ، وأجل من لا عهد له ، أو له عهد مطلق ، أربعة أشهر ، وأمره أن