تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1582

مساهمون:

ص١٥٨٢
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ »
. . وتقول في شأن أهل الكتاب :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ »
. . فإذا كان المسلمون اليوم لا يملكون بواقعهم تحقيق هذه الأحكام ؛ فهم - اللحظة وموقتا - غير مكلفين بتحقيقها - ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها - ولهم في الأحكام المرحلية سعة يتدرجون معها حتى ينتهوا إلى تنفيذ هذه الأحكام الأخيرة عندما يكونون في الحال التي يستطيعون معها تنفيذها . . ولكن عليهم ألا يلووا أعناق النصوص النهائية لتوافق أحكام النصوص المرحلية . وعليهم ألا يحملوا ضعفهم الحاضر على دين اللّه القوي المتين . وعليهم أن يتقوا اللّه في مسخ هذا الدين وإصابته بالهزال بحجة أنه دين السلم والسلام ! إنه دين السلم والسلام فعلا ، ولكن على أساس إنقاذ البشرية كلها من عبادة غير اللّه ، وإدخال البشرية كافة في السلم كافة . . إنه منهج اللّه هذا الذي يراد البشر على الارتفاع إليه ، والاستمتاع بخيره ؛ وليس منهج عبد من العبيد ؛ ولا مذهب مفكر من البشر ؛ حتى يخجل الداعون إليه من إعلان أن هدفهم الأخير هو تحطيم كل القوى التي تقف في سبيله ؛ لإطلاق الحرية للناس أفرادا في اختياره . . إنه حين تكون المذاهب التي يتبعها الناس مذاهب بشرية من صنع العبيد ؛ وحين تكون الأنظمة والشرائع التي تصرف حياتهم من وضع العبيد أيضا . فإنه في هذه الحالة يصبح لكل مذهب ولكل نظام الحق في أن يعيش داخل حدوده آمنا ، ما دام أنه لا يعتدي على حدود الآخرين ، ويصبح من حق هذه المذاهب والأنظمة والأوضاع المختلفة أن تتعايش وألا يحاول أحدها إزالة الآخر ! فأما حين يكون هناك منهج إلهي وشريعة ربانية ، ووضع العبودية فيه للّه وحده ؛ وتكون إلى جانبه مناهج ومذاهب وأوضاع من صنع البشر العبودية فيها للعباد . . فإن الأمر يختلف من أساسه . ويصبح من حق المنهج الإلهي أن يجتاز الحواجز البشرية ؛ ويحرر البشر من العبودية للعباد ؛ ويتركهم أحرارا في اختيار العقيدة التي يختارونها في ظل الدينونة للّه وحده . والمهزومون الذين يحاولون أن يلووا أعناق النصوص ليا ليخرجوا من الحرج الذي يتوهمونه في انطلاق الإسلام وراء حدوده الأولى ليحرر البشر في الأرض كلها من العبودية لغير اللّه . ينسون هذه الحقيقة الكبرى . . وهي أن هناك منهجا ربانيا العبودية فيه للّه وحده يواجه مناهج بشرية العبودية فيها للعبيد ! ! ! إن للجهاد المطلق في هذا الدين مبرراته النابعة من ذات المنهج الإلهي ؛ فليراجعها المهزومون الذين يحملون هزيمتهم وضعفهم على هذا الدين « 1 » . لعل اللّه أن يرزقهم القوة من عنده ؛ وأن يجعل لهم الفرقان الذي وعد به عباده المتقين ! وأخيرا فإن هذه السورة لم تكتب البسملة في أولها كبقية السور - في مصحف عثمان رضي اللّه عنه وهو
هامش
( 1 ) يراجع في تقديم سورة الأنفال ما ورد عن مبررات الجهاد الإسلامي ص 1431 - 1452 من الجزء التاسع .
في ظلال القرآن — صفحة 1582 | سيد قطب