وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من « الطلقاء » الذين أسلموا يوم الفتح ، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة . فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة آلاف - سببا في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح .
كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الاتساع الأفقي السريع ؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة ، بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة . . هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة ، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب ، التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة .
ونستطيع أن نستطرد هنا لنتابع خطوات الواقع التاريخي للمجتمع المسلم بعد عامين اثنين من الفتح ؛ عندما قبض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فارتدت الجزيرة العربية كلها ؛ ولم يثبت إلا مجتمع المدينة - القاعدة الصلبة الخالصة - فهذه الظاهرة يسهل الآن تفسيرها . . إن عامين اثنين بعد الفتح لم يكونا كافيين لاستقرار حقيقة الإسلام في نفوس هذه الأفواج الكثيرة التي دخلت في دين اللّه بعد الفتح ، بمستوياتها الإيمانية المخلخلة . فلما قبض رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ارتجت الجزيرة المخلخلة ، وثبتت القاعدة الصلبة . واستطاعت هذه القاعدة بصلابتها وخلوصها وتناسقها أن تقف في وجه التيار ؛ وأن ترده عن مجراه الجارف ؛ وأن تحوله إلى الإسلام مرة أخرى . .
إن رؤية هذه الحقيقة - على هذا النحو - كفيلة بأن ترينا تدبير اللّه الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة - في أول الأمر - وحكمته في تسليط المشركين الطواغيت على الفئة المسلمة يؤذونها ، ويفتنونها عن دينها ، ويهدرون دماءها ، ويفعلون بها الأفاعيل ! لقد كان اللّه سبحانه يعلم أن هذا هو المنهج القويم لتربية الجماعة الأولى وتكوين القاعدة الصلبة لهذه العقيدة .
وأنه بدون هذه المحنة الطويلة لا تصلب الأعواد ولا تثبت للضغوط ؛ وأن هذه الدرجة من الصلابة والخلوص والتجرد والإصرار والمضي في سبيل اللّه على الأذى والعذاب والقتل والتنكيل والتشريد والتجويع ، وقلة العدد ، وانعدام النصير الأرضي . . . إن هذه الدرجة هي وحدها التي تصلح للقاعدة الأصيلة الثابتة عند نقطة الانطلاق الأولى . .
إن هذه القاعدة الصلبة من المهاجرين الأوائل هي التي انضم إليها السابقون من الأنصار ، ليكونوا القاعدة في المدينة - قبل بدر - وليكونوا هم الحراس الأقوياء الأشداء في فترة التخلخل التي أعقبت النصر في بدر ، بالتوسع الأفقي الذي جاء بأعداد جديدة لم تنضج بعد ، ولم تتناسق مع القاعدة في مستواها الإيماني والتنظيمي .
وأخيرا فإن القاعدة الصلبة التي اتسعت أبعادها قبيل الفتح ، حتى صارت تتمثل في المجتمع المدني بجملته ، هي التي حرست الإسلام وصانته من الهزات بعد الفتح ثم من الهزة الكبرى بعد وفاة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وارتداد الجزيرة عن الإسلام .
إن هذه الحقيقة - كما أنها ترينا تدبير اللّه الحكيم في المحنة الطويلة التي تعرضت لها الدعوة في مكة ؛ وفي الأهوال والمشاق والأخطار التي تعرض لها المجتمع المسلم في المدينة حتى الحديبية - هي كذلك تكشف لنا عن طبيعة المنهج الحركي للدعوة الإسلامية المتجددة في أي زمان وفي أي مكان .
في ظلال القرآن — صفحة 1577
مساهمون: سيد قطب
ص١٥٧٧