تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1549

مساهمون:

ص١٥٤٩
فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا اللّه ، ولا يقدر عليها إلا اللّه . يقول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن من عباد اللّه لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللّه تعالى » قالوا : يا رسول اللّه تخبرنا من هم . قال : « هم قوم تحابوا بروح اللّه بينهم ، على غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها ، واللّه إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور . لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس » . . ( أخرجه أبو داود ) . ويقول - صلى اللّه عليه وسلم - : « إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم ، فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار » . . ( رواه الطبراني ) . وتتوارد أقوال الرسول تترى في هذا الباب ؛ وتشهد أعماله بأصالة هذا العنصر في رسالته عليه الصلاة والسلام ؛ كما تشهد الأمة التي بناها على الحب أنها لم تكن مجرد كلمات مجنحة ، ولا مجرد أعمال مثالية فردية ؛ إنما كانت واقعا شامخا قام على هذا الأساس الثابت ، بإذن اللّه ، الذي لا يقدر على تأليف القلوب هكذا سواه . بعد ذلك يمضي السياق يطمئن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والعصبة المسلمة من ورائه ، إلى ولاية اللّه - سبحانه - له ولها ؛ وهو حسبه وحسبها ؛ ثم يأمره بتحريض المؤمنين على القتال في سبيل اللّه ؛ فهم أكفاء لعشرة أمثالهم ممن لا يفقهون فقههم ؛ وهم على الأقل أكفاء لمثليهم في أضعف الحالات :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. . ويقف الفكر ليستعرض القوة التي لا راد لها ، ولا معقب عليها - قوة اللّه القوي العزيز - وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزيلة - التي تتصدى لكتائب اللّه - فإذا الفرق شاسع ، والبون بعيد . وإذا هي معركة مضمونة العاقبة ، معروفة النهاية ، مقررة المصير . . وهذا كله يتضمنه قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل اللّه - وقد تهيأت كل نفس ، واستعد كل قلب وشد كل عصب ، وتحفز كل عرق ؛ وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ »
. . حرضهم وهم لعدوهم وعدو اللّه كفء ، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء اللّه حولهم :
« إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
. . فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجئ عجيب . ولكنه صادق عميق :
« بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ »
. .