تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1547

مساهمون:

ص١٥٤٧
المقيدة المرحلية ! وذلك كله كي يصلوا إلى أن الجهاد في الإسلام هو مجرد عملية دفاع عن أشخاص المسلمين ، وعن دار الإسلام عندما تهاجم ! وأن الإسلام يتهالك على أي عرض للمسالمة . والمسالمة معناها مجرد الكف عن مهاجمة دار الإسلام ! إن الإسلام - في حسهم - يتقوقع ، أو يجب أن يتوقع داخل حدوده - في كل وقت - وليس له الحق أن يطالب الآخرين باعتناقه ، ولا بالخضوع لمنهج اللّه ، اللهم إلا بكلمة أو نشرة أو بيان ! أما القوة المادية - الممثلة في سلطان الجاهلية على الناس - فليس للإسلام أن يهاجمها إلا أن تهاجمه ، فيتحرك حينئذ للدفاع ! ولو أراد هؤلاء المهزومون روحيا وعقليا أمام ضغط الواقع الحاضر ، أن يلتمسوا في أحكام دينهم ما يواجه هذا الواقع - دون ليّ لأعناق النصوص - لوجدوا فيه هذه الواقعية الحركية في أحكامه وتصرفاته المرحلية التي كان يواجه بها ضغط الواقع المشابه لما نواجهه نحن اليوم ؛ ولاستطاعوا أن يقولوا : إنه في مثل هذه الحال كان الإسلام يتصرف على هذا النحو ، ولكن هذه ليست هي القواعد الدائمة ؛ إنما هي الأحكام والتصرفات التي تواجه الضرورة . وهذه أمثلة ونماذج من الأحكام والتصرفات المرحلية في أوقات الضرورات : * لقد عقد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أول مقدمه المدينة مع اليهود حول المدينة والمشركين عهدا على المسالمة والموادعة والدفاع المشترك عن المدينة . مع التسليم بأن السلطة العليا في المدينة هي سلطة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والتعهد منهم بالدفاع عن المدينة معه ضد قريش ، والكف عن مناصرة أي مهاجم للمدينة ، أو عقد أي حلف مع المشركين المحاربين دون إذن من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي الوقت ذاته أمره اللّه أن يقبل السلم ممن يجنحون إلى السلم ، وإن كانوا لا يعقدون معه عهدا ، وأن يوادعهم ما وادعوه . . . ثم تغير هذا كله فيما بعد كما ذكرنا . * ولما كانت غزوة الخندق ؛ وتجمع المشركون على المدينة ؛ ونقضت بنو قريظة العهد ؛ وخاف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على المسلمين ؛ عرض على عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري رئيس غطفان الصلح على ثلث ثمار المدينة ، وأن ينصرفا بقومهما ويدعا قريشا وحدها . وكانت هذه المقالة من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لهما مراوضة ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - منهما أنهما قد رضيا ، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا : يا رسول اللّه ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ؟ أو شيء أمرك اللّه به فنسمع له ونطيع ؟ أو أمر تصنعه لنا ؟ فقال : « بل أمر أصنعه لكم ، فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة » فقال له سعد بن معاذ : يا رسول اللّه ، واللّه قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، ولا نعبد اللّه ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرّى . فحين أكرمنا اللّه بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : « أنتم وذاك » وقال لعيينة والحارث : « انصرفا ، فليس لكما عندنا إلا السيف » . . فهذا الذي فكر فيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إجراء لمواجهة الضرورة . . وليس حكما نهائيا . . * وعقد رسول اللّه مع مشركي قريش صلح الحديبية - وهم على شركهم - بشروط لم يسترح إليها المسلمون ، وذلك على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض ، وأن يرجع عنهم عامه ذلك ، حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثا ، وألا يدخلها إلا بسلاح الراكب
في ظلال القرآن — صفحة 1547 | سيد قطب