تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1545

مساهمون:

ص١٥٤٥
ومن ثم ينفي الإسلام من حسابه - منذ الوهلة الأولى - كل حرب تقوم على أمجاد الأشخاص والدول . وكل حرب تقوم للاستغلال وفتح الأسواق . وكل حرب تقوم للقهر والإذلال . وكل حرب تقوم لتسويد وطن على وطن ، أو قوم على قوم ، أو جنس على جنس ، أو طبقة على طبقة . . ويستبقي نوعا واحدا من الحركة . . حركة الجهاد في سبيل اللّه . . واللّه - سبحانه - لا يريد تسويد جنس ولا وطن ولا قوم ولا طبقة ولا فرد ولا شعب . إنما يريد أن تسود ألوهيته وسلطانه وحاكميته . وهو غني عن العالمين . ولكن سيادة ألوهيته هي وحدها التي تكفل الخير والبركة والحرية والكرامة للعالمين . والحكم الثالث في هذه النصوص هو الحكم المتعلق بمن يريدون المهادنة والموادعة للمعسكر الإسلامي ؛ ويجنحون إلى السلم والمسالمة ؛ وتدل ظواهرهم وأفعالهم على رغبتهم في السلم حقا :
« وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ »
. والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح ، تعبير لطيف ، يلقي ظل الدعة الرقيق . فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم ، ويرخي ريشه في وداعة ! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على اللّه السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر . وفي التوكل عليه الكفاية والأمان . وبالعودة إلى تلخيص الإمام ابن القيم لطوائف الكفار ومواقفهم من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وموقفه كذلك منهم ، أول العهد بالمدينة إلى يوم بدر ونزول هذا الحكم ، يتبين أن هذا النص يتعلق بالفريق الذي اعتزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يقاتله ؛ وجنح إلى السلم ولم يظهر العداء والمقاومة للدعوة الإسلامية ، ولا للدولة المسلمة . وقد أمر اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن يترك هذا الفريق ، وأن يقبل مهادنته ومسالمته ( وذلك حتى نزلت براءة ونزل فيها إمهال من لم يكن له عهد ، أو كان له عهد غير موقت ، مدة أربعة أشهر ، يكون له بعدها حكم آخر بحسب موقفه ) ومن ثم فهو ليس حكما نهائيا على إطلاقه الذي يؤخذ من نصه مجردا عن هذه الملابسات ، ومجردا كذلك عن النصوص التالية له في الزمن ، وعن التصرفات الواقعية بعده لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولكن النص كان له نوع من العموم في الحكم في حينه . فقد عمل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - به - حتى نزلت سورة براءة - ومن عمله به كان صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة . . ولقد اتجه بعض الفقهاء إلى اعتبار الحكم نهائيا ودائما ففسروا الجنوح إلى السلم بقبول أداء الجزية . . ولكن هذا لا يتفق مع الواقع التاريخي ؛ فإن أحكام الجزية نزلت في سورة براءة بعد السنة الثامنة للهجرة ، وهذه الآية نزلت في السنة الثانية بعد بدر ؛ ولم تكن أحكام الجزية موجودة . والأقرب إلى الصحة بمراجعة الأحداث وتواريخ النزول والطبيعة الحركية للمنهج الإسلامي ، أن يقال : إن هذا الحكم ليس نهائيا ؛ وأنه عدل أخيرا بالأحكام النهائية التي نزلت في سورة براءة ( التوبة ) والتي انتهى بها الناس إلى أن يكونوا مع الإسلام : إما محاربين يحاربون . وإما مسلمين تحكمهم شريعة اللّه . وإما أهل ذمة يؤدون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا . . وهذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي . وكل ما عداها هو حالات واقعية يسعى الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية ، وهي العلاقات التي يمثلها الحديث الذي أخرجه مسلم ورواه الإمام أحمد : قال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن يزيد ، عن أبيه ، عن