فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم . وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه أو كان لهم عهد مطلق ، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر ، فإذا انسلخت قاتلهم . فقتل الناقض لعهده ؛ وأجل من لا عهد له ، أو له عهد مطلق ، أربعة أشهر . وأمره أن يتم للموفي بعهده عهده إلى مدته ، فأسلم هؤلاء كلهم ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم . وضرب على أهل الذمة الجزية . . . إلخ » . .
ومن مراجعة هذا التلخيص الجيد ، ومراجعة أحداث السيرة ، وتاريخ نزول السور والآيات التي تتضمن هذه الأحكام ، يتبين لنا أن آيات سورة الأنفال التي نحن بصددها هنا ، تمثل مرحلة وسيطة بين ما كان عليه الحال أول العهد بالمدينة ، وما انتهى إليه الحال بعد نزول سورة براءة . ويجب أن تدرس هذه النصوص في ضوء هذه الاعتبارات . . ومع أنها تقرر بعض القواعد الأساسية ، إلا أنها لا تمثلها في صورتها النهائية . فالصورة النهائية تمثلها نصوص سورة براءة ، والتطبيقات العملية لها في أواخر حياة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كما سيأتي . .
وفي ضوء هذا البيان نستطيع أن نواجه هذه النصوص القرآنية :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ »
. .
ولفظ « الدواب » وإن كان يشمل كل ما دب على الأرض ، فيشمل الأناسي فيما يشمل ، إلا أنه - كما أسلفنا - يلقي ظلا خاصا حين يطلق على الآدميين . . ظل البهيمة . . ثم يصبح هؤلاء الآدميون شر البهيمة التي تدب على الأرض ! وهؤلاء هم الذين كفروا حتى بلغ بهم الكفر ألا يصير حالهم إلى الإيمان ! وهم الذين ينقضون عهدهم في كل مرة ولا يتقون اللّه في مرة ! وقد وردت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص . . قيل : إنهم بنو قريظة ، وقيل : إنهم بنو النضير .
وقيل : إنهم بنو قينقاع . وقيل : إنهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين . . والنص والواقع التاريخي كلاهما يحتمل أن يكونوا هؤلاء جميعا . فلقد نقض اليهود عهودهم مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - طائفة طائفة ، كما أنه قد تكرر نقض المشركين لعهودهم أيضا . . والمهم أن نعلم أن هذه النصوص تتحدث عن حالة واقعة قبل بدر وبعدها ، إلى حين نزول هذه الآيات . ولكن الحكم الصادر فيها ، المصور لطبيعة الناقضين للعهد يصور حالة دائمة ، ويقرر صفة ثابتة . .
فهؤلاء الذين كفروا ولجّوا في الكفر
« فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ »
. . ففسدت بذلك فطرتهم ، وباتوا بذلك شر الدواب عند اللّه . هؤلاء الذين ينقضون كل عهد أبرموه ، فتجردوا بذلك من خصيصة إنسانية أخرى - خصيصة التقيد بالعهد - وانطلقوا من كل قيد ، كما تنطلق البهيمة ، لولا أن البهيمة مقيدة بضوابط فطرتها ، وهؤلاء لا ضابط لهم . فهم بذلك شر الدواب عند اللّه ! هؤلاء الذين لا يستطيع أحد أن يطمئن إلى عهدهم وجوارهم . . جزاؤهم هو حرمانهم الأمن كما حرموا غيرهم الأمن ؛ وجزاؤهم هو تخويفهم وتشريدهم ، والضرب على أيديهم بشدة لا ترهبهم وحدهم ، إنما ترهب من يتسامع بهم ممن وراءهم من أمثالهم ، والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ومن بعده من المسلمين ، مأمورون - إذا التقوا بأمثال هؤلاء في القتال - أن يصنعوا بهم ذلك الصنيع :