العقيدة والتنظيم الحركي معا ، فالذين آمنوا وهاجروا والذين آووا ونصروا بعضهم أولياء بعض . أما الذين آمنوا ولم يهاجروا إلى دار الإسلام ، فلا ولاء بينهم وبين المعسكر المسلم في دار الإسلام . . أي لا تناصر ولا تكافل . . ولا ينصرهم المسلمون إلا إذا اعتدي عليهم في عقيدتهم ؛ وكان هذا الاعتداء من قوم ليس بينهم وبين المسلمين عهد .
* أن قيام التجمع والولاء في المجتمع المسلم على آصرة العقيدة والتنظيم الحركي ، لا يمنع أن يكون أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ؛ فيكونوا أقرب في الولاء - متى تحقق شرط العقيدة وشرط التنظيم الحركي - فأما قرابة الرحم وحدها فلا تنشئ أولوية ولا ولاء إذا انفصمت رابطة العقيدة ورابطة التنظيم الحركي .
هذه - على وجه الإجمال - هي المبادئ والقواعد التي يتضمنها هذا الدرس ؛ وهي تمثل جملة صالحة من قواعد النظام الإسلامي الداخلي والخارجي . . وسنحاول أن نتناولها بشيء من التفصيل في مواجهة النصوص القرآنية :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَهُمْ لا يَتَّقُونَ . فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ . وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ، إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ . وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ . وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ، إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
. .
هذه الآيات كانت تواجه حالة قائمة بالفعل في حياة الجماعة المسلمة ، عند نشأة الدولة المسلمة بالمدينة ؛ وتزود القيادة المسلمة بالأحكام التي تواجه بها هذه الحالة .
وهي تمثل إحدى قواعد العلاقات الخارجية بين المعسكر المسلم وما حوله من المعسكرات الأخرى ، ولم تدخل عليها إلا تكملات وتعديلات جانبية فيما بعد ؛ ولكنها ظلت إحدى القواعد الأساسية في المعاملات الإسلامية الدولية .
إنها تقرر إمكان إقامة عهود تعايش بين المعسكرات المختلفة ؛ ما أمكن أن تصان هذه العهود من النكث بها ؛ مع إعطاء هذه العهود الاحترام الكامل والجدية الحقيقية . فأما إذا اتخذ الفريق الآخر هذه العهود ستارا يدبر من ورائه الخيانة والغدر ؛ ويستعد للمبادأة والشر ؛ فإن للقيادة المسلمة أن تنبذ هذه العهود ، وتعلن الفريق الآخر بهذا النبذ ؛ وتصبح مطلقة اليد في اختيار وقت الضربة التالية للخائنين الغادرين . . على أن تكون هذه الضربة من العنف والشدة بحيث ترهب كل من تحدثه نفسه بالتعرض للمجتمع المسلم سرا أو جهرا ! . .
فأما الذين يسالمون المعسكر الإسلامي ؛ ويريدون عدم التعرض للدعوة الإسلامية ، أو الحيلولة دون وصولها إلى كل سمع ؛ فإن للقيادة المسلمة أن توادعهم ما دام ظاهرهم يدل على أنهم يجنحون إلى السلم ويريدونها « 1 » .
هامش
( 1 ) ولقد نظمت هذه الحالات تنظيما نهائيا فيما بعد في سورة التوبة