تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1540

مساهمون:

ص١٥٤٠
وهذه - كما هو ظاهر - مواجهة عملية واقعية لحالات عملية واقعية في العلاقات بين المعسكرات المتجاورة ؛ لا ترفض الموادعة - متى تحقق للدعوة الإسلامية الأمان الحقيقي وزوال العقبات المادية من طريقها وهي تتحرك لتبلغ الأسماع والقلوب - وفي الوقت ذاته لا تسمح أن تكون عهود الموادعة ستارا للأعداء ، وترسا يتترسون به لضرب المجتمع المسلم غيلة وغدرا . أما الحالة الواقعة التي كانت هذه النصوص تواجهها في مجتمع المدينة يومذاك ، فقد نشأت من الظروف التي واجهتها القيادة المسلمة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة ، والتي يلخصها الإمام ابن القيم في زاد المعاد بقوله : « ولما قدم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام : قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه - وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم - وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة . وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه . . ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن . ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم . ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين ، وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى » . . وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة ؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة . كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة . وظاهر أن هذه الأوضاع لم تكن إلا أوضاعا موقتة ، تواجه أحوالا واقعة ؛ ولم تكن أحكاما نهائية في العلاقات الدولية الإسلامية ؛ وأنها عدلت فيما بعد تعديلات متوالية ، حتى استقرت في الأحكام التي نزلت في سورة براءة . . وهذه المراحل التي مرت بها هذه العلاقات سبق في الجزء التاسع أن نقلنا لها تلخيصا جيدا للإمام ابن القيم في زاد المعاد . ولا نرى بأسا من إعادة هذا التلخيص هنا لضرورته : « فصل في ترتيب سياق هديه ( صلى اللّه عليه وسلم ) مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي اللّه عزّ وجل . . أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته . فأمره أن يقرأ في نفسه ، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ . ثم أنزل عليه :
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ »
فنبأه بقوله :
« اقْرَأْ »
وأرسله ب
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ »
. ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم أنذر قومه . ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . فأقام بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية ؛ ويؤمر بالكف والصبر والصفح . ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله للّه . . ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام : أهل صلح وهدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة . . فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد ، وأمر أن يقاتل من نقض عهده . . ولما نزلت سورة براءة نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها : فأمر أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام . وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم . فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان . وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم إليهم . . وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام : قسما أمره بقتالهم وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم . وقسما لهم عهد موقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه