تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1518

مساهمون:

ص١٥١٨
بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ »
. . ثم تابع الحديث في هذا الدرس عن أحكام الغنائم التي تنشأ من النصر في ذلك القتال الذي بين غايته وهدفه :
« حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ »
. . ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح ؛ وتبين منها أنه جهاد للّه ، وفي سبيل أهداف تخص دعوة اللّه ودينه ومنهجه للحياة . . ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل ، فردت إلى اللّه والرسول ، وجرّد منها المجاهدون لتخلص نيتهم وحركتهم للّه . . مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له . فهناك غنائم وهناك محاربون . وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم : هم يتطوعون للجهاد ، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة ؛ وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون . . ثم هم يغنمون من المعركة غنائم . يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد . . ولقد خلص اللّه نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء للّه ورسوله . . وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم اللّه ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية ، ومشاعرهم البشرية ، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه ، والتنازع فيه ، بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة . . إنه منهج اللّه الذي يعلم طبيعة البشر ؛ ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل ، الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر ؛ وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع ، من أجل تلك المغانم !
« وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ، وَلِلرَّسُولِ ، وَلِذِي الْقُرْبى ، وَالْيَتامى ، وَالْمَساكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ . . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل . . أولا : حول مدلول « الغنائم » ومدلول « الأنفال » هل هما شيء واحد ، أم هما شيئان مختلفان ؟ وثانيا : حول هذا الخمس - الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها اللّه للمقاتلين - كيف يقسم ؟ وثالثا : حول خمس الخمس الذي للّه . أهو الخمس الذي لرسول اللّه ، أم هو خمس مستقل ؟ . . ورابعا : حول خمس الخمس الذي لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أهو خاص به أم ينتقل لكل إمام بعده ؟ وخامسا : حول خمس الخمس الذي لأولي القربى ، أهو باق في قرابة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من بني هاشم وبني عبد المطلب ، كما كان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أم يرجع إلى الإمام يتصرف فيه ؟ وسادسا : أهي أخماس محددة يقسم إليها الخمس ، أم يترك التصرف فيه كله لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولخلفائه من بعده ؟ . . . وخلافات أخرى فرعية . ونحن - على طريقتنا في هذه الظلال - لا ندخل في هذه التفريعات الفقهية التي يحسن أن تطلب في مباحثها الخاصة . . هذا بصفة عامة . . وبصفة خاصة فإن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعا إسلاميا يواجهنا اليوم أصلا . فنحن اليوم لسنا أمام قضية واقعة ، لسنا أمام دولة مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل اللّه ، ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها ! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية أول مرة ؛ ورجع الناس إلى الجاهلية التي كانوا عليها ، فأشركوا مع اللّه أربابا أخرى تصرف حياتهم بشرائعها البشرية ! ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد إلى الدخول فيه . . إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . . إلى إفراد اللّه سبحانه بالألوهية والحاكمية والسلطان . والتلقي في هذا الشأن عن رسول اللّه
في ظلال القرآن — صفحة 1518 | سيد قطب