تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1434

مساهمون:

ص١٤٣٤
« قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ : أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا : اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
. . ومملكة اللّه في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة ، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة ، كما كان الحال في ما يعرف باسم « الثيوقراطية » أو الحكم الإلهي المقدس ! ! ! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة اللّه هي الحاكمة ؛ وأن يكون مرد الأمر إلى اللّه وفق ما قرره من شريعة مبينة . وقيام مملكة اللّه في الأرض ، وإزالة مملكة البشر . وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى اللّه وحده . وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية . . كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان . لأن المتسلطين على رقاب العباد ، المغتصبين لسلطان اللّه في الأرض ، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان . وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين اللّه في الأرض ! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال ! إن هذا الإعلان العام لتحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل سلطان غير سلطان اللّه ، بإعلان ألوهية اللّه وحده وربوبيته للعالمين ، لم يكن إعلانا نظريا فلسفيا سلبيا . . إنما كان إعلانا حركيا واقعيا إيجابيا . . إعلانا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة اللّه ؛ ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية للّه وحده بلا شريك . . ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل « الحركة » إلى جانب شكل « البيان » . . ذلك ليواجه « الواقع » البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه . والواقع الإنساني ، أمس واليوم وغدا ، يواجه هذا الدين - بوصفه إعلانا عاما لتحرير « الإنسان » في « الأرض » من كل سلطان غير سلطان اللّه - بعقبات اعتقادية تصورية . وعقبات مادية واقعية . . عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية ، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة . . وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد . . وإذا كان « البيان » يواجه العقائد والتصورات ، فإن « الحركة » تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية ، والعنصرية والطبقية ، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة . . وهما معا - البيان والحركة - يواجهان « الواقع البشري » بجملته ، بوسائل مكافئة لكل مكوناته . . وهما معا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض . . « الإنسان » كله في « الأرض » كلها . . وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى ! إن هذا الدين ليس إعلانا لتحرير الإنسان العربي ! وليس رسالة خاصة بالعرب ! . . إن موضوعه هو « الإنسان » . . نوع « الإنسان » . . ومجاله هو « الأرض » . . كل الأرض . إن اللّه - سبحانه - ليس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم . . إن اللّه هو « رب العالمين » . . وهذا الدين يريد أن يرد « العالمين » إلى ربهم ؛ وأن ينتزعهم من العبودية لغيره . والعبودية الكبرى - في نظر الإسلام - هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر . . وهذه هي « العبادة » التي يقرر أنها لا تكون إلا للّه . وأن من يتوجه بها لغير اللّه يخرج من دين اللّه مهما ادعى أنه في هذا الدين . ولقد نص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على أن « الاتباع » في الشريعة والحكم هو « العبادة » التي صار بها اليهود والنصارى « مشركين » مخالفين لما أمروا به من « عبادة » اللّه وحده . .
في ظلال القرآن — صفحة 1434 | سيد قطب