« إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ ، الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ ، وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »
. .
فأعلن بها عمن إليه يرتكن . إنه يرتكن إلى اللّه . . الذي نزل الكتاب . . فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه ؛ كما قدر أن يعلى هذا الحق على باطل المبطلين . . وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه .
وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى اللّه - بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - في كل مكان وفي كل زمان :
« قُلِ : ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ »
. .
« إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »
.
إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى اللّه أن يتجرد من أسناد الأرض ؛ وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض . .
إنها في ذاتها واهية واهنة ، مهما بدت قوية قادرة :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ . ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ! »
. .
« مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ! »
. .
وصاحب الدعوة إلى اللّه يرتكن إلى اللّه . فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن ؟ وما ذا تساوي في حسه ؛ حتى لو قدرت على أذاه ؟ ! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاه . لا عجزا من ربه عن حمايته من أذاها - سبحانه وتعالى ! - ولا تخليا منه سبحانه عن نصرة أوليائه . . ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب . واستدراجا لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين ! لقد كان أبو بكر - رضي اللّه عنه - يردد ، والمشركون يتناولونه بالأذى ؛ ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه ، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين ! . . كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! . . . » كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه ! لقد كان واثقا أن ربه لا يعجز عن التدمير على أعدائه ؛ كما كان واثقا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه ! ولقد كان عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - يقول ، وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته ! . . كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله : « واللّه ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك ! » . . كان يعرف أنهم يحادون اللّه - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد اللّه مغلوب هين على اللّه . فينبغي أن يكون مهينا عند أولياء اللّه .
ولقد كان عبد اللّه بن مظعون - رضي اللّه عنه - يقول ، وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك ، لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فيكف عنه الأذى ، وإخوان له في اللّه يؤذون في سبيل اللّه .
وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه . . كان يقول لعتبة وهو يراه في هذه الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره : « لأنا في جوار من هو أعز منك ! » . . وكان يرد على عتبة إذ قال له : « يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمّا أصابها ! » . . يقول : « لا واللّه . وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل اللّه ! » . . كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد . وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه ، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب : « لا واللّه . وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل اللّه » . .