تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1407

مساهمون:

ص١٤٠٧
يستيقظ ويتفتح ويرى . . واللّه منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلبا غافلا . . ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر !
« فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟ »
! وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين . . إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة ؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية . . إنه لا يدع جانبا واحدا منها لا يخاطبه ، ولا يدع وترا منها واحدا لا يوقع عليه ؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله ؛ ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلمسه ويوقظه . إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد ، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق . . وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى اللّه دائما . . فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقا آخر . والقرآن هو القرآن كلام اللّه الباقي ، وخطاب اللّه لهذا الإنسان الذي لا يتغير . . مهما تعلم ومهما « تطور ! » . . وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب . . يقرر فيها سنة اللّه الجارية بالهدى والضلال ؛ وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه ؛ وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان . وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن ؛ على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد ؛ ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر :
« مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ، وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. إن الذين يضلون ، إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر . ومن يغفل عن النظر في آيات اللّه وتدبرها يضله اللّه ؛ ومن يضله اللّه لا يهديه أحد من بعده :
« مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ »
. . ومن يكتب اللّه عليه الضلال - وفق سنته تلك - يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبدا :
« وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. . وما في تركهم في عماهم من ظلم ، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم ، وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم ، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود ، وشهادة الأشياء - التي يوجههم إليها في الآية السابقة - وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة ، وحيثما فتحت العين وقعت على آية ، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به ، لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء . فإذا عمه - أي عمي - عن هذا كله ، ترك في عماه ، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار :
« وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. هؤلاء الغافلون عما حولهم ، العمي عما يحيط بهم . . يسألون الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول . كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد !
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ؟
قل : إنما علمها عند ربي ، لا يجليها لوقتها إلا هو ، ثقلت في السماوات