تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1387

مساهمون:

ص١٣٨٧
« فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى ، وَيَقُولُونَ : سَيُغْفَرُ لَنا . وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ »
. . وصفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى : أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه . . ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم . . شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تدرس وعلم يحفظ . . وكلما رأوا عرضا من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه ، ثم تأولوا وقالوا : « سيغفر لنا » . . وهكذا كلما عرض لهم من أعراض الدنيا جديد تهافتوا عليه من جديد ! ويسأل سؤال استنكار :
« أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ؟ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ؟ »
. ألم يؤخذ عليهم ميثاق اللّه في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص ، وألا يخبروا عن اللّه إلا بالحق . . فما بالهم يقولون : « سيغفر لنا » ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا ؟ ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على اللّه وتأكيد غفرانه لهم ، وهم يعلمون أن اللّه إنما يغفر لمن يتوبون حقا ؛ ويقلعون عن المعصية فعلا ؛ وليس هذا حالهم ، فهم يعودون كلما رأوا عرضا من أعراض الحياة الدنيا ! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه ! بلى ! ولكن الدراسة لا تجدي ما لم تخالط القلوب . وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد . إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا ، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا . . وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ؛ ولا يأخذونه عقيدة ؛ ولا يتقون اللّه ولا يرهبونه ؟ !
« وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
. نعم ! إنها الدار الآخرة ! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة ، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا . . نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها ؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها . . وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض ؟ وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي ؟ وما الذي يهدئ فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع ؟ وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا ؟ وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل ، وبين الخير والشر ، وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى ؟ والشر يتبجح والباطل يطغى ؟ لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى ؛ إلا اليقين في الآخرة ، وأنها خير للذين يتقون ، ويعفون ، ويترفعون ، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن ، ويمضون في الطريق لا يتلفتون . . مطمئنين واثقين ، ملء قلوبهم اليقين « 1 » . . وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة « الاشتراكية العلمية » أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا ؛ ويحلوا محله تصورا كافرا جاهلا مطموسا يسمونه : « العلمية » . . ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة ، وتفسد النفوس ؛ وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلّا ذلك اليقين . . ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان . وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال . .
هامش
( 1 ) يراجع ما جاء عن عقيدة الآخرة في الجزء السابع من الظلال ص 1068 - 1073 .