إن « العلمية » التي تناقض « الغيبية » جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر . جهالة يرجع عنها « العلم البشري » ذاته ، ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال « 1 » ! جهالة تناقض فطرة « الإنسان » ومن ثم تفسد « الحياة » ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار ! ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها ، ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف ! والذي تردده الببغاوات هنا وهناك ، بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك ! ولأن قضية الآخرة ، وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة ، يحيل السياق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى . . عرض الحياة الدنيا . . إلى العقل :
« وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
. .
ولو كان العقل هو الذي يحكم لا الهوى . . ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هو الذي يقضي . .
لكانت الدار الآخرة خيرا من عرض هذا الأدنى . ولكانت التقوى زادا للدين والدنيا جميعا :
« وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ »
.
وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه ؛ ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه ، ولا يعملون به ، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ؛ ولا في سلوكهم وحياتهم . . غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة ، تعطي مدلولها كاملا ، لكل جيل ولكل حالة .
إن الصيغة اللفظية : « يمسكون » . . تصور مدلولا يكاد يحس ويرى . . إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة . . الصورة التي يحب اللّه أن يؤخذ بها كتابه وما فيه . . في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت . .
فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر . . إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون « الواقع » هو الحكم في شريعة اللّه ! فهو الذي يجب أن يظل محكوما بشريعة اللّه ! والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة ؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة . . والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقرونا إلى الشعائر يعني مدلولا معينا . إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة ، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس . فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس ، ولا تصلح بسواه . . والإشارة إلى الإصلاح في الآية :
« إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ »
. .
يشير إلى هذه الحقيقة . . حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملا ، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع اللّه أجره على المصلحين .
وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني . . ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس ؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص ، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب ؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب ، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى اللّه . .
هامش
( 1 ) يراجع ما جاء في الجزء السابع عن « العلم » و « الغيب » عند تفسير قوله تعالى :« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »ص 1113 - 1121