فيها إنما يقع بقدر من اللّه خاص بهذه المرة . فهي لا تجري جريانا آليا لا تدخل لقدر اللّه فيه . . وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ اللّه أن تجري بغير ذلك . . وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من اللّه خاص ، فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر . .
ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة - كما يظن الذين لا يعلمون ! - ولقد بدءوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير « 1 » ! على أية حال ، لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل . . فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء ، فتتهاوى عزائمهم ، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم ، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت ! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب ، وتقل التقوى ، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص ، ويراد التفلت من ظاهر النصوص ! . . إن القانون لا تحرسه نصوصه ، ولا يحميه حراسه . إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى اللّه فيها وخشيته ، فتحرس هي القانون وتحميه . وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه ! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية ! ولن تستطيع الدولة - كائنا ما كان الإرهاب فيها - أن تضع على رأس كل فرد حارسا يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته ؛ ما لم تكن خشية اللّه في قلوب الناس ، ومراقبتهم له في السر والعلن . .
من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية . وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطان فيها من اللّه . . ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها . وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها ! وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت ، الذي حرم عليهم الصيد فيه . . وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت ؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه ؛ وقالوا : إنهم لم يصطادوه في السبت ، فقد كان في الماء - وراء الحواجيز - غير مصيد ! وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على اللّه ! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله ! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال ! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر : ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة ، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه ؟ وقد كتب اللّه عليهم الهلاك والعذاب ؟
« وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ؟ »
.
فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم ، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم . بعد ما كتب اللّه عليهم الهلاك أو العذاب الشديد ؛ بما اقترفوه من انتهاك لحرمات اللّه .
« قالُوا : مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ »
. .
فهو واجب للّه نؤديه : واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتخويف من انتهاك الحرمات ، لنبلغ
هامش
( 1 ) يراجع ما جاء في الجزء السابع من هذه الطبعة المنقحة في هذه الظلال عند تفسير قوله تعالى :« وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ »ص 1113 - 1121