تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1381

مساهمون:

ص١٣٨١
ثم تمضي القصة في سياقها بعد الرجفة التي أخذت رجالات بني إسرائيل . . ولا يذكر السياق هنا ما ذا كان من أمرهم بعد دعوات موسى - عليه السلام - وابتهالاته . ولكنا نعرف من سياق القصة في سور أخرى أن اللّه أحياهم بعد الرجفة ، فعادوا إلى قومهم مؤمنين . وقبل أن يمضي السياق هنا في حلقة جديدة ، يقرر حقيقة عن قوم موسى . . أنهم لم يكونوا جميعا ضالين :
« وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ »
. . هكذا كانوا على عهد موسى ، وهكذا كانت منهم طائفة تهدي بالحق وتحكم بالعدل من بعد موسى . . ومن هؤلاء من استقبلوا رسالة النبي الأمي في آخر الزمان بالقبول والاستسلام ، لما يعرفونه عنها في التوراة التي كانت بين أيديهم على مبعث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وفي أولهم الصحابي الجليل : عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه . الذي كان يواجه يهود زمانه بما عندهم في التوراة عن النبي الأمي ، وما عندهم كذلك من شرائع تصدقها شرائع الإسلام . وبعد تقرير تلك الحقيقة تمضي القصة في أحداثها بعد الرجفة :
« وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً ؛ وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً . قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى . كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ . وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
. . إنها رعاية اللّه ما زالت تظلل موسى وقومه - بعد أن كفروا فعبدوا العجل ، ثم كفروا عن الخطيئة كما أمرهم اللّه ، فتاب عليهم . وبعد أن طلبوا رؤية اللّه جهرة ، فاخذتهم الرجفة ، ثم استجاب اللّه لدعاء موسى فأحياهم . . تتجلى هذه الرعاية في تنظيمهم حسب فروعهم في اثنتي عشرة أمة - أي جماعة كبيرة - ترجع كل جماعة منها إلى حفيد من حفداء جدهم يعقوب - وهو إسرائيل - وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية :
« وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً »
. . وتبدو في تخصيص عين تشرب منها كل جماعة وتعيينها لهم ، فلا يعتدي بعضهم على بعض .
« وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ، فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً . قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . . »
وتبدو في تظليل الغمام لهم من شمس هذه الصحراء المحرقة ؛ وإنزال المن - وهو نوع من العسل البري - والسلوى ، وهو طائر السماني ؛ وتيسيره لهم ضمانا لطعامهم بعد ضمان شرابهم :
« وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى »
. . وتبدو في إباحة كل هذه الطيبات لهم ، حيث لم يكن قد حرم عليهم بعد شيء بسبب عصيانهم :
« كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »
. . والرعاية واضحة في هذا كله ؛ ولكن هذه الجبلة ما تزال بعد عصية على الهدى والاستقامة كما يبدو من ختام هذه الآية التي تذكر كل هذه النعم وكل هذه الخوارق : من تفجير العيون لهم من الصخر بضربة من عصا موسى . ومن تظليل الغمام لهم في الصحراء الجافة . ومن تيسير الطعام الفاخر من المن والسلوى :
« وَما ظَلَمُونا ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ »
. .