تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1296

مساهمون:

ص١٢٩٦
البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب . ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الإيمان الشامل . إنه مذاق العبودية الراضية ، التي لا يسوقها القسر ، ولا يحركها القهر . . إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله . . فلا تفكر في التهرب من الأمر ، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح . . الاستسلام للّه الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه . الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين . . هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان ، ويعطيه طعمه ومذاقه . . وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام ، وتعطيه حيويته وروحه . . وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر ، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع . . ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم . .
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ . أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ . تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ »
. . إن عقيدة التوحيد الإسلامية ، لا تدع مجالا لأي تصور بشري عن ذات اللّه سبحانه ؛ ولا عن كيفيات أفعاله . . فاللّه سبحانه ليس كمثله شيء . . ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشئ صورة عن ذات اللّه . فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء . فإذا كان اللّه - سبحانه - ليس كمثله شيء ، توقف التصور البشري إطلاقا عن إنشاء صورة معينة لذاته تعالى . ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعا لذلك عن تصور كيفيات أفعاله جميعا . ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله . . وهذا هو مجاله . . ومن ثم تصبح أسئلة كهذه : كيف خلق اللّه السماوات والأرض ؟ كيف استوى على العرش ؟ كيف هذا العرش الذي استوى عليه اللّه سبحانه ؟ ! . . . تصبح هذه الأسئلة وأمثالها لغوا يخالف توجيهها قاعدة الاعتقاد الإسلامي . أما الإجابة عليها فهي اللغو الأشد الذي لا يزاوله من يدرك تلك القاعدة ابتداء ! ولقد خاضت الطوائف - مع الأسف - في هذه المسائل خوضا شديدا في تاريخ الفكر الإسلامي ، بالعدوى الوافدة على هذا الفكر من الفلسفة الإغريقية ! فأما الأيام الستة التي خلق اللّه فيها السماوات والأرض ، فهي كذلك غيب لم يشهده أحد من البشر ولا من خلق اللّه جميعا :
« ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ »
. . وكل ما يقال عنها لا يستند إلى أصل مستيقن . إنها قد تكون ست مراحل . وقد تكون ستة أطوار . وقد تكون ستة أيام من أيام اللّه التي لا تقاس بمقاييس زماننا الناشئ من قياس حركة الأجرام - إذ لم تكن قبل الخلق هذه الأجرام التي نقيس نحن بحركتها الزمان ! . . وقد تكون شيئا آخر . . فلا يجزم أحد ما ذا يعني هذا العدد على وجه التحديد . . وكل حمل لهذا النص ومثله على « تخمينات » البشرية التي لا تتجاوز مرتبة الفرض والظن - باسم « العلم ! » - هو محاولة تحكمية ، منشؤها الهزيمة الروحية أمام « العلم » الذي لا يتجاوز في هذا المجال درجة الظنون والفروض !