تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1299

مساهمون:

ص١٢٩٩
ولكن ربط هذا كله بفعل اللّه - كما هو في الحقيقة - هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة ، كأن العين تراه . إنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته . والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها اللّه هذا الكون - فما كان الكون لينشئ نفسه ، ثم يضع لنفسه هذه النواميس التي تحكمه ! - ولكن التصور الإسلامي يقوم على اعتقاد أن كل حدث يجري في الكون - ولو أنه يجري وفق الناموس الذي قدره اللّه - إنما يقع ويتحقق - وفق الناموس - بقدر خاص ينشئه ويبرزه في عالم الواقع . وأن الأمر القديم بجريان السنة ، لا يتعارض مع تعلق قدر اللّه بكل حادث فردي من الأحداث التي تجري وفق هذه السنة . فإرسال الرياح - وفق النواميس الإلهية في الكون - حدث من الأحداث ، يقع بمفرده وفق قدر خاص « 1 » . وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس اللّه في الكون أيضا . ولكنه يقع بقدر خاص . ثم يسوق اللّه السحاب - بقدر خاص منه - إلى « بلد ميت » . . صحراء أو جدباء . . فينزل منه الماء - بقدر كذلك خاص - فيخرج من كل الثمرات - بقدر منه خاص - يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة . إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون . ابتداء من نشأته وبروزه ، إلى كل حركة فيه وكل تغيير وكل تعديل . كما ينفي الجبرية الآلية ، التي تتصور الكون كأنه آلة ، فرغ صانعها منها ، وأودعها القوانين التي تتحرك بها ، ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين التي تصبح بذلك عمياء ! إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر . ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية . ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس ولكل مرة تتحقق فيها السنة . القدر الذي ينشئ الحركة ويحقق السنة ، وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة . إنه تصور حي . ينفي عن القلب البلادة . بلادة الآلية والجبرية . ويدعها أبدا في يقظة وفي رقابة . . كلما حدث حدث وفق سنة اللّه . وكلما تمت حركة وفق ناموس اللّه . انتفض هذا القلب ، يرى قدر اللّه المنفذ ، ويرى يد اللّه الفاعلة ، ويسبح للّه ويذكره ويراقبه ، ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه ! هذا تصور يستحيي القلوب ، ويستجيش العقول ، ويعلقها جميعا بفاعلية الخالق المتجددة ؛ وبتسبيح البارئ الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار . كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة اللّه وقدره في هذه الأرض . وبين النشأة الآخرة ، التي تتحقق كذلك بمشيئة اللّه وقدره ؛ على المنهج الذي يراه الأحياء في نشأة هذه الحياة :
« كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ »
. . إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة ، من وراء أشكالها وصورها وملابساتها . . هذا ما يوحي به هذا التعقيب . . وكما يخرج اللّه الحياة من الموات في هذه الأرض ، فكذلك يخرج الحياة من الموتى في نهاية المطاف . . إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة وأشكالها في هذه الأرض ، هي المشيئة التي ترد الحياة
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » في مواضع متعددة في فصول : « حقيقة الألوهية » . « حقيقة الكون » . « حقيقة الإنسان » في القسم الثاني من البحث . « دار الشروق » .