والذين يتحدثون عن « الغيبية » و « العلمية » يتحدثون كذلك عن « الحتمية التاريخية » كأن كل المستقبل مستيقن ! و « العلم » في هذا الزمان يقول : إن هناك « احتمالات » وليست هنالك « حتميات » ! ولقد كان ماركس من المتنبئين « بالحتميات » ! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم ؟
لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في إنجلترا ، نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر . . فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفا صناعيا . . في روسيا والصين وما إليها . . ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية ! ولقد تنبأ لينين وبعده ستالين بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي . وها هو ذا خليفتهما « خروشوف » يحمل راية « التعايش السلمي » ! ولا نمضي طويلا مع هذه « الحتميات » التنبئية ! فهي لا تستحق جدية المناقشة ! إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي حقيقة الغيب ، وكل ما عداها احتمالات . وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به اللّه ويجري به قدره . وقدر اللّه غيب لا يعلمه إلا هو . وإن هنالك - مع هذا وذلك - سننا للكون ثابتة ، يملك الإنسان أن يتعرف إليها ، ويستعين بها في خلافة الأرض ، مع ترك الباب مفتوحا لقدر اللّه النافذ ؛ وغيب اللّه المجهول . . وهذا قوام الأمر كله . .
« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ »
.
ومن علم اللّه الشامل بمفاتح الغيب ، وبما يجري في جنبات الكون ، ينتقل السياق إلى مجال من مجالات هذا العلم الشامل ، في ذوات البشر ، ومجال كذلك من مجالات الهيمنة الإلهية ، بعد العلم المحيط :
« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ، وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
بضع كلمات أخرى ، كالتي رسمت آفاق الغيب وآماده وأغواره ، وأشارت إلى مدى العلم الإلهي وشموله في الآية السابقة . . بضع كلمات أخرى تضم حياة البشرية كلها في قبضة اللّه - سبحانه - وفي علمه وقدره وتدبيره . . صحوهم ومنامهم . . موتهم وبعثهم . حشرهم وحسابهم . . ولكن على « طريقة القرآن » « 1 » المعجزة في الإحياء والتشخيص ، وفي لمس المشاعر واستجاشتها ، مع كل صورة وكل مشهد وكل حركة يرسمها تعبيره العجيب .
« وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ »
. .
فهي الوفاة إذن حين يأخذهم النعاس ؛ هي الوفاة في صورة من صورها بما يعتري الحواس من غفلة ، وما يعتري الحس من سهوة ، وما يعتري العقل من سكون ، وما يعتري الوعي من سبات - أي انقطاع - وهو السر الذي لا يعلم البشر كيف يحدث ؛ وإن عرفوا ظواهره وآثاره ؛ وهو « الغيب » في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان . . وهؤلاء هم البشر مجردين من كل حول وطول - حتى من الوعي - ها هم أولاء في سبات وانقطاع عن الحياة . ها هم أولاء في قبضة اللّه - كما هم دائما في الحقيقة - لا يردهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة اللّه . . فما أضعف البشر في قبضة اللّه !
« وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .