تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1091

مساهمون:

ص١٠٩١
السنة ؛ ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك السر المغيب من قدر اللّه ؛ وهذا القدر الظاهر من سنته ؛ وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف . ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ؛ وكان لها من التمكين في الأرض ؛ وكان لها من الرخاء والمتاع ؛ ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ؛ مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ؛ مخدوعة بما هي فيه ؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة اللّه في الشدة والرخاء . . هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن اللّه يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ، ويخدعهم إملاء اللّه لهذه الأمم ، وهي لا تعبد اللّه أو لا تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته ، وهي تعيث في الأرض فسادا ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان اللّه . . ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول اللّه سبحانه :
« فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ »
. . فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية . . مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! . . لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك ! وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على « الرجل الأبيض » وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علما على الصلف العنصري . بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين . . كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة اللّه ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين :
« حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . وإذا كان اللّه قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير ، ومن هذا الرزق الغزير ! إن العذاب النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والانحلال الخلقي . . الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ؛ وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء « 1 » ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة أو شذوذ . . وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف ! وليس هذا كله إلا بداية الطريق . . وصدق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إذا رأيت اللّه يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج » . . ثم تلا :
« فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ . حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ »
. . ( رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ) . غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة اللّه في تدمير ( الباطل ) أن يقوم في الأرض ( حق ) يتمثل في ( أمة ) . . ثم يقذف اللّه بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1091 | سيد قطب