تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1090

مساهمون:

ص١٠٩٠
لها اللّه - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء :
« فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ . حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة . وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! واللّه يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء . بهذه وبذاك سواء . . والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء فيشكر . ويكون أمره كله خيرا . . وفي الحديث : « عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » ( رواه مسلم ) . فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص اللّه من أنبائها هنا . فإنهم لما نسوا ما ذكروا به ، وعلم اللّه - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا . . فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء . . والتعبير القرآني :
« فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ »
. . يصور الأرزاق والخيرات ، والمتاع ، والسلطان . . متدفقة كالسيول ؛ بلا حواجز ولا قيود ! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة ! إنه مشهد عجيب ؛ يرسم حالة في حركة ؛ على طريقة التصوير القرآني العجيب « 1 » .
« حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا »
. . وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة ؛ واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ؛ وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق ؛ وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها . . عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل :
« أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ »
. . فكان أخذهم على غرة ؛ وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم .
« فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا »
. . ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! . . و « الذين ظلموا » تعني هنا الذين أشركوا . . كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين . .
« وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . تعقيب على استئصال الظالمين ( المشركين ) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين . . وهل يحمد اللّه على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين ، أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟ لقد أخذ اللّه قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1090 | سيد قطب