تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1034

مساهمون:

ص١٠٣٤
بينما الدين كله يسحق سحقا ، ويدمر من أساسه ؛ وبينما سلطان اللّه يغتصبه المغتصبون ، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا ! إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ؛ بعد ما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد ، أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير ، فترة طويلة من الزمان . . إلا أن الأمل في اللّه أكبر ؛ والثقة في هذا الدين أعمق ، وهم يمكرون واللّه خير الماكرين . وهو الذي يقول :
« وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ . فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ »
. . أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد ، فهي مواجهة قوية ، لا يجد الملحدون إزاءها إلّا المماحلة والمغالطة والالتواء : إن وجود هذا الكون ابتداء ، بهذا النظام الخاص ، يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبر . . فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها ، إلا بتصور إله ينشئ ويخلق ويوجد هذا الوجود . والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة . ويقولون : إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود ! . . ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف « الروحية » المدافع عنها في وجه « المادية » . وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من « المسلمين » واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين اللّه بقول عبد من العبيد . . هذا الفيلسوف هو « برجسون » . . اليهودي ! ! ! إنه يقول : إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم ! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشئ من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو . . فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم ؟ إلى العقل ؟ لا . فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجودا بعد عدم ! إلى وحي من اللّه ؟ إنه لا يدعي هذا . وإن كان يقول : إن حدس المتصوفة كان دائما يجد إلها ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد ( الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو اللّه إنما هو الحياة ! ) . . فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه ( برجسون ) إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم ؟ لا ندري ! إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون . . لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون . . فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود . ولكنه وجد محكوما بنواميس لا تتخلف ، محسوبا فيها كل شيء بمقاييس ، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافا منها ، بعد التدبر الطويل ؟ ! « 1 »
هامش
( 1 ) الهاربون من الكنيسة التي كانت تستطيل على رقاب العباد باسم « اللّه » كان كل همهم في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إنكار « اللّه » : ولكن « المثاليين » منهم اختاروا « العقل » ليعطوه كل خصائص اللّه وصفاته ! و « الماديين » منهم اختاروا « الطبيعة » ليعطوها هذه الخصائص والصفات ، لأنه لم يكن لهؤلاء ولا لهؤلاء مفر من افتراض شيء فوق الطاقة البشرية يكلون إليه تفسير هذا الوجود وما يجري فيه . . وفقط كانوا يريدون انكار اللّه . ليخلصوا من قبضة الكنيسة ! ! !