تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1036

مساهمون:

ص١٠٣٦
هذه هي الموجة التالية في افتتاح السورة ؛ بعد الموجة الأولى ذات اللمسات العريضة . . الموجة التي غمرت الكون كله بحقيقة الوجود الإلهي متجلية في خلق السماوات والأرض ، منشئة للظلمات والنور ؛ ثم في خلق الإنسان من مادة هذه الأرض ؛ وتقدير أجله الذي ينتهي بالموت ؛ والاحتفاظ بسر الأجل الآخر المضروب للبعث ؛ والإحاطة بسر الناس وجهرهم ، وما يكسبون في السر والجهر . . هذا الوجود الإلهي الذي يتجلى في الآفاق والأنفس ، هو وجود متفرد متوحد ؛ ليس مثله وجود ؛ لأنه ما من خالق غير اللّه ؛ كما أنه وجود غامر باهر قاهر يبدو التكذيب في ظله والإعراض عن هذه الآيات الهائلة ، منكرا قبيحا ، لا سند له ، ولا عذر لصاحبه . . ومن ثم يعرض السياق موقف المشركين الذين يعارضون الدعوة الإسلامية في ظل هذا الوجود الغامر الباهر القاهر ؛ فيبدو هذا الموقف منكرا قبيحا ، حتى في حس أصحابه الذين يواجههم هذا القرآن بهذه الحقيقة ! ويكسب القرآن المعركة في الجولة الأولى . يكسبها في أعماق فطرة الناس ، على الرغم من مكابرتهم ومن عنادهم الظاهرين ! وهو يعرض في هذه الموجة صورة العناد والمكابرة ؛ ويواجهها بالتهديد مرة ؛ وبتوجيه القلوب إلى مصارع المكذبين من قبل مرة ؛ ويحشد فيها عدة مؤثرات وموحيات . بعد الهزة الأولى التي مضت بها تلك الموجة العريضة :
« وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ . فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ »
. . إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادا وإصرارا . فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان ، ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية ، ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة ، هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها . . ليس هذا هو الذي ينقصهم ، إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة ، ويمسك بهم العناد والإصرار ، ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر :