تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1032

مساهمون:

ص١٠٣٢
اعترافهم ذاك : من تحكيم اللّه - سبحانه - في أمرهم كله ؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ؛ واتخاذ شريعته وحدها قانونا ، ورفض مبدأ تحكيم غير اللّه في أي شأن من شؤون الحياة . هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ؛ مع إقرارهم بوجود اللّه سبحانه ، ووصفه بتلك الصفات ، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله ، بما أنه الخالق الرازق المالك ، كما كانوا يعترفون . . ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات اللّه هذه من الخلق للكون وللإنسان ، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم . . إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع ، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها . ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية ، ولتقرير الحاكمية ، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار اللّه . . والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كيلا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة ! واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية ، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها ، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها ، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود اللّه فيها . ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان . . والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام ! إنما يفلح اليهود في حقل آخر . وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر . وطرده من واقع الحياة . وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين باللّه ؛ مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون اللّه ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا ، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن باللّه . وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله ، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة . وأنهم غالبو أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين باللّه ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة . . أو يأذن اللّه فيصحو الناس ! وأحسب - واللّه أعلم - أن اليهود الصهيونيين ، والنصارى الصليبيين ، كليهما ، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوروبا كذلك . . يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار . . ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام !