تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1028

مساهمون:

ص١٠٢٨
الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ ، لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ؛ ائْتِنا . . »
. . كذلك يقف السياق السامع أمام مشهد الثمار اليانعة في الجنات التي تتمثل فيها الحياة ، والتي تتجلى فيها يد اللّه المبدعة للألوان والثمار :
« . . . وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً ، نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً ، وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ . . انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ . إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. . وهكذا كل مشاهد السورة ومواقفها يتجلى فيها هذا التناسق ويكون طابعها العام . لون آخر من ألوان التناسق ، يمت إلى هذا اللون بصلة كذلك . . مواقف الإشهاد . . إن مشاهد القيامة في السورة تعرض كأنما هي مواقف إشهاد على ما كان من المشركين والمكذبين ؛ ومواقف تشهير بهم ؛ وتوجيه للأنظار إلى هذه المواقف . . وقد سبق عرض نماذج منها . . وفي كل منها :
« وَلَوْ تَرى
. . . » وتلتقي بها مواقف الإشهاد على العقيدة ، ومواقف الإشهاد على الشريعة . . كلتاهما سواء . في أول السورة عند الحديث عن العقيدة في محيطها الشامل يجيء هذا الموقف :
« قُلْ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ . أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ : لا أَشْهَدُ . قُلْ : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
. حتى إذا جاء السياق إلى المناسبة الخاصة في السورة ، المتعلقة بالعقيدة في قضية التحريم والتحليل أقام مشهدا آخر ، ودعا إلى إشهاد على هذه القضية الخاصة ، كالإشهاد على تلك القضية العامة ، للدلالة على أنها هي هي من ناحية الموضوع ؛ ولضمان التناسق الذي هو طابع التعبير القرآني العام « 1 » :
« قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا . فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. . لون ثالث من ألوان التناسق ؛ هو التناسق التعبيري الذي يقتضيه التقرير الموضوعي . والذي يتمثل في تكرار عبارات بعينها للدلالة على أنها تعبير عن حقيقة واحدة في صور متعددة . وهذا كالتعبير في أول السورة عن الذين كفروا حين يشركون باللّه غيره بأنهم بربهم يعدلون . ثم التعبير كذلك في أواخرها عن الذين يشرعون لأنفسهم بأنهم كذلك بربهم يعدلون . على النحو التالي :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. .
« قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا . فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ . وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. ففي الآية الأولى هم يعدلون بربهم لأنهم يشركون به . . وفي الثانية هم يعدلون بربهم لأنهم يشركون به كذلك . ممثلا هذا الشرك في ادعاء حق الألوهية في التشريع . . . ولهذا دلالته الموضوعية ، وجماله التعبيري أيضا . .
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « التصوير الفني في القرآن » فصل : « التناسق » . « دار الشروق » .