تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1027

مساهمون:

ص١٠٢٧
أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ، وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . وليست هذه النماذج الستة التي اخترناها إلا نماذج تصور حد « الروعة الباهرة » الذي يبلغه سياق السورة ، في كل موقف ، وفي كل مشهد ، وفي كل إيقاع ، وفي كل إيحاء . . كذلك سبق القول : إن سياق السورة يبلغ حد الروعة الباهرة في كل مشهد وفي كل موقف ؛ مع تناسق في منهج العرض للمشاهد والمواقف ؛ ووعدنا أن نبين ما نعنيه بهذا التناسق . ولن نعرض هنا إلا بعض النماذج في انتظار العرض التفصيلي للنصوص بعد التعريف المجمل . ونكتفي من هذا التناسق بثلاثة ألوان منه بارزة في سياق السورة : إن السياق يعرض المشاهد والمواقف منوعة ؛ ولكنها تلتقي في ظاهرة واحدة . . إنه في كل مشهد أو موقف ، كأنما يأخذ بالسامع ليقفه أمام المشهد يتملاه ، وأمام الموقف يتدبره . . يقفه أمامه بحركة تكاد الألفاظ تجسمها ! كما أن المشاهد والمواقف ذاتها فيها ناس موقوفون ، يراهم السامع في وقفتهم ، والسياق يقفه هو الآخر ليشاهدهم ويتملاهم ! ففي مشاهد القيامة ومشاهد الاحتضار ترد هذه الوقفات :
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا : يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. .
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ . قالَ : أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ؟ قالُوا : بَلى وَرَبِّنا ! قالَ : فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. .
« وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ . وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ، وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ . لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ »
. .
« وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ؟ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. . وفي مواقف التهديد ببطش اللّه وأخذ المكذبين بسلطانه الذي لا يرد ، يقفهم أمام هذا البطش كأنهم يعاينونه :
« قُلْ : أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ؛ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ؟ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ، فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ - إِنْ شاءَ - وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ »
. .
« قُلْ : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ . . قُلْ : أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ؟ »
. وفي تمثيل حالة الضلال بعد الهدى ، والرجوع عن الحق بعد الاهتداء إليه ، يرسم مشهدا شاخصا يقف السامع أمامه يتملاه ، ولو لم يكن في اللفظ أمر بالنظر أو إشارة إلى الوقوف :
« قُلْ : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ